شبكة نوى، فلسطينيات
gaza2023
اليوم الاربعاء 17 ابريل 2024م19:06 بتوقيت القدس

سهيلة أبو عمرة.. "أم الجميع" في خربة العَدَس

15 مارس 2023 - 13:46

رفح:

"أم الجميع" هكذا تصف نساء منطقة خربة العدس شرقي مدينة رفح، جنوب قطاع غزة، الناشطة النسوية سهيلة أبو عمرة.

السيدة التي تجاوزت الخمسين، دون شهادة ولا منصب رسمي، تشغل منذ 16 عامًا -بشكلٍ تطوعي- موقع مديرة جمعية تنمية المرأة الريفية، في منطقةٍ نائية بعيدةٍ عن كل الخدمات تُدعى "خربة العدس".

أصرّت أبو عمرة منذ زمن على أن تحفر بنفسها شارة نجاحها، وأن تكون مختلفة، وأن تصنع تغييرًا يشار إليه بالبنان.

تقول لـ"نوى": "بعد انتهائي من الثانوية العامة، لم يكن من الممكن بالنسبة لعائلتي أن أذهب للدراسة بالجامعة، ولا حتى الخروج من البيت لأي سببٍ إلا برفقة رجل، وعند الحاجة. في منطقتنا العادات والتقاليد لا تفسح مجالًا لذلك، وهذا كان التحدّي الأول أمامي".

كانت سهيلة بارعة في التطريز، متميزة فيه منذ صغرها، فأصرّت على مواجهة العادات، وانخرطت في أنشطةٍ لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، تصنع المطرزات وتبيعها بمبلغٍ مجزٍ. لقد جرَّبت شعور الاعتماد على النفس، وأن تنفق من عمَلها، وهنا بدأت أول خطوات طريق النجاح.

تكمل: "لاحقًا تعرّفتُ على الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، ثم مؤسسات قليلة غيره، وبدأت أنشطة أخرى كلها متعلقة بأشغال المطرزات إلى جانب المساعدة في المشاريع التي تنفذها هذه المؤسسات".

عملت سهيلة أيضًا مزارعة في أرض تمتلكها عائلتها برفقة إخوتها، وهنا اكتسبت تجربة ثلاثة قطاعات هي: الزراعة، والتطريز، والعمل مع مؤسسات المجتمع المدني. على ذلك تعقّب: "في الثمانينات كنت أعمل مزارعة، وأحيانًا في تكسير الفستق! ثلاث مهن أتقنتُها، وهذا ربما جعلني أكثر قربًا من جميع الناس حين أصبحت مديرة جمعية".

أصبحت سهيلة أكثر نشاطًا وحضورًا في مؤسسات المجتمع المدني بمدينة رفح، خاصةً مع حضورها للكثير من الدورات التدريبية المتخصصة، التي أكسبتها المزيد من المهارات والتجربة، فأصبح الجميع في رفح يعرفها بالناشطة سهيلة أبو عمرة.

تتابع: "عام 2007م، انضممتُ إلى جمعية تنمية المرأة الريفية، وبدأت هناك ضمن أنشطة المطرزات". كانت سهيلة هناك بمثابة "الدينامو"، وهذا ما جعل المديرة تعتمد عليها في كل تفاصيل العمل، والتواصل مع المؤسسات، والتشبيك والتنسيق.

تقول: "كانت إدارة الجمعية تعتمد علي في كافة التفاصيل، حتى إذا ما اضطررتُ للغياب مرّت الأمور على ما يرام"، مردفةً: "ومع استقالة مجلس الإدارة، تقدمتُ وأخريات للانتخابات وفزنا".

تتابع: "اضطررنا للبدء من الصفر، على مستوى العلاقة مع نساء المنطقة اللواتي كانوا يُقبلون سابقًا على الجمعية، وعلى مستوى العلاقة مع المؤسسات الأخرى".

توضح: "حاولت إقناع النساء بأن المجالس التي تدير المؤسسة مرهونة بالانتخابات التي تحرص الجمعية على دوريتها، بينما العمل أصلًا من أجل النساء، وفي الخطوة الثانية عملت على التواصل مجددًا مع جمعيات شريكة من رفح، وعلى قاعدة أن العمل الاجتماعي تبادلي، وحدث تعاون كبير مع المؤسسات".

مشاريع التطوير الزراعي للنساء، كان أكثر ما ركّزت عليه سهيلة، فالعمل وفق الاحتياج منهجها، وتدريجيًا بدأت النساء بالعودة عبر استقطابهن، لكن الحصول على المشاريع لم يكن سهلًا في ظل المنافسة القوية مع مؤسسات قوية في المناطق القريبة، وكان على سهيلة النجاح على هذا الصعيد أيضًا.

تتابع: "تحتاج المنطقة مشاريع تربية الدواجن والأغنام، ومشاريع الإنتاج الحيواني عمومًا، إضافة إلى مشاريع للطاقة الشمسية والمشاريع الزراعية المختلفة، وهذا ما عملتُ عليه منذ توليت إدارة الجمعية حتى الآن"، موضحةً أنها تعمل في الجمعية بشكل دائم على تنفيذ جلسات التوعية حول الكثير من المواضيع، سواءً تلك المتعلقة بحقوق النساء، أو التثقيف الصحي، وغيرها.

تدريبات وجلسات تثقيف كلها ساهمت في تطوير نساء المنطقة، وتغيير وجهة نظرهن تجاه العديد من القضايا، وأبرزها مشاركتهن المجتمعية، والخروج من دائرة التزويج المبكر نحو بيئة التعلّم والعمل، وهذا بحدّ ذاته أكثر ما تفخر به سهيلة.

تتابع: "ما زلت أواصل جهود التشبيك مع المؤسسات المختلفة. أحضُرُ الكثير من الفعاليات فلا يغيب اسم الجمعية التي أصبحت مكانًا مناسبًا للمنطقة لدى الكثير من المؤسسات التي تنفذ مشاريعها على مستوى قطاع غزة (..) صحيحٌ أنني لم أتعلم حتى الآن، لكنني اكتسبتُ مهارة إدارة المشاريع عبر خبرة سنوات، وأدير العديد من المشاريع في ذات الوقت دون أي خطأ".

تعكف حاليًا نساء المنطقة على زيارة الجمعية في مقرها الجديد الذي انتقلت إليه منذ 6 أشهر، وحاليًا تدير سهيلة مشروعًا في التصنيع الغذائي يوزع إنتاجه على عدد كبير من المحلات والمؤسسات، ويعود بدخله على النساء، إضافةً إلى مشاريع أخرى مستمرة بالجمعية.

هذا حوّل المؤسسة إلى مقر شبه دائم للنساء، يزرنها حتى دون وجود مشاريع! يكفي أن يتجاذبن أطراف الحديث، وربما يخرجن بفكرة قابلة للتطبيق تدعمها سهيلة بالبحث عمن ينفذها معهن. سهيلة، التي انتقلت اليوم من مرحلة أن تكون مديرة جمعية تحتاج إلى جهد لاستقطاب النساء، إلى مرحلة أن مجرد اتصال بسيط تجريه بإحداهن، يكفي ليقول لها زوجها: "سهيلة اتصلت بك توجهي إلى الجمعية فورًا".

نالت سهيلة ثقة الجميع، وباتت كما الأم لنساء المنطقة، لا يترددن في التوجه إليها سواء لسبب متعلق بالعمل، أو لتفريغ شحنة قهرهن أمامها.

انطلاقة كبيرة جعلت أسمى أمنيات سهيلة أن تكبُر الجمعية أكثر وأكثر، وأن تخدم المزيد والمزيد من نساء المنطقة، أما على مستواها الشخصي، فهي ما زالت تتمنى أن تؤدي فريضة الحج وترى النساء سعيدات، حاصلات على حقوقهن كاملة.

كاريكاتـــــير