شبكة نوى، فلسطينيات
gaza2023
اليوم الثلاثاء 05 مارس 2024م09:49 بتوقيت القدس

الصيدليات تزاحم العيادات الخاصة في غزة

11 فبراير 2023 - 09:38

شبكة نوى، فلسطينيات: غزة :

داخل إحدى الصيدليات الشهيرة بمدينة غزة، تحمل المواطنة فداء سالم طفلتها بين يديها وتشتكي خروج إفرازات من أذنها. سرعان ما جلب الصيدلاني جهازًا لفحص الأذن، وقرر أن الطفلة مصابة بالتهاباتٍ شديدة، وصرفَ لها العلاج.

ما فعلته فداء بات مشهدًا مألوفًا، حيث تتزايد ظاهرة التداوي في الصيدليات داخل قطاع غزة، على حساب العيادات الخاصة، التي أصبح الأطباء والعاملون فيها، يشتكون من خرق الصيادلة للقانون الفلسطيني، إذ لم يعد دور الصيدلاني مقتصرًا على صرف الوصفة العلاجية، بل تعداها إلى التشخيص، وطلب إجراء التحاليل الطبية، وتحديد العلاج أيضًا.

وبات المواطنون يلجأن إلى الصيدليات للتداوي، مبتعدين عن العيادات الخاصة، التي أصبحت خيارًا غير مرغوب فيه بسبب تكلفة الحجز، والاستشارة الطبية العالية، في الوقت الذي تتعاظم فيه مستويات الفقر والبطالة في القطاع، إضافةً إلى تأثير جائحة "كورونا" عام 2020م، ومخاوف المواطنين من التوجّه إلى العيادات والمشافي.

بالنسبة إلى سالم، التي لم تدفع ثمن الكشفية والتشخيص للصيدلاني مقابل صرف العلاج من صيدليته، فهذه صفقة جيدة للغاية، تقول لـ"نوى": "أذهب إلى الصيدلية بشكل مباشر عندما أصاب أو أحد أفراد عائلتي بأي مرض، وبذلك أوفر مبلغًا لا يقل عن 50 شيكلًا، كان يجب دفعها ككشفية في العيادات الخاصة".

ويعد خيار التوجه إلى المستشفيات العامة، سواءً الحكومية، أو تلك التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"، في آخر قائمة سالم، إذ تقول: "لا أثق بأن الأطباء في هذه المستشفيات يبذلون الجهد الكافي لتشخيص أمراضنا. ربما بسبب الازدحام الشديد، أو لأن المواطنين لا يدفعون أجورًا كالتي يدفعونها في عياداتهم الخاصة".

وأضافت: "فضلًا عن ذلك، فإن العلاج المقدم في هذه المستشفيات يتركز حول المسكنات، ولا يصرفون المضادات الحيوية الفعالة".

في صيدلية شهيرة أخرى بمدينة غزة، لا يتوقف المواطنون عن طلب الاستشارة الطبية من الصيادلة العاملين فيها وصرف الأدوية بناء على توصياتهم.

يقول المواطن محمود أبو النجا (42 عامًا)، الذي يسكن قرب الصيدلية، إنه ذهب إليها يشتكي من ألم شديد في معدته جعله يتقيّأ فور تناوله الطعام، فطلب منه الصيدلاني تحاليل مخبرية محددة للكشف عن جرثومة المعدة.

يقول أبو النجا: "أدركت مهارة الصيدلاني عندما أصابت توقعاته بإصابتي بجرثومة المعدة بعد إجراء الفحص، ثم صرف لي العلاج، وبعد ثلاثة أسابيع تعافيت تمامًا. لجأتُ قبله لعيادتين خاصتين، ولم تجدِ استشارات الأطباء نفعًا".

الصيدلاني محمد شاهين، واحد من الصيادلة الذين يقدّمون الوصفات الطبية، يعقّب: "الصيدليات باتت توفر خدمة التشخيص والاستشارة الطبية للمرضى، في إطار المنافسة مع الصيدليات الأخرى لجلب الزبائن"، مشيرًا إلى أن العديد من الصيدليات أصبحت محل ثقة كبيرة لدى المواطنين، وقدرة على التشخيص وصرف الأدوية المناسبة.

وبيّن أن ازدياد توجه المواطنين للصيدليات بدلًا عن العيادات أو المستشفيات للعلاج، ساعد في إيجاد مئات فرص العمل الجديدة للصيادلة، إذ باتت الصيدليات تستعين بصيادلة مساعدين للتعامل مع الارتفاع الكبير في أعداد الحالات المرضية التي تتردد إليها يوميًا.

رغم ذلك، يشير شاهين إلى أن تدخلات الصيادلة في تقديم الاستشارات الطبية، والتشخيص، تعد محدودة ومحصورة في مجالات معينة، مثل أمراض الجهازين الهضمي والتنفسي، ملفتًا إلى أن هناك الكثير من الأمراض لا يمكن تشخيصها، إلا من خلال الأطباء المتخصصين كالأمراض العصبية.

على الطرف الآخر من القصة، يُبدي الأطباء أصحاب العيادات الخاصة تذمرًا كبيرًا بسبب تدخل الصيادلة في مجال عملهم، وخرقهم للقانون الفلسطيني.

وحسب المادة (50) من قانون مزاولة مهنة الصيدلة، الصادر سنة 1998، "يُحظر على الصيدلاني أن يصرف أو يجهز أي وصفة طبية، إلا إذا كانت صادرة عن طبيب مسجل في سجل الأطباء المصرح لهم بممارسة المهنة، وأن يكون مسجلًا في سجل الأطباء المرخصين من قبل الوزارة".

يقول طبيب الأطفال سليم مِنة، الذي يملك عيادةً خاصة وسط مدينة غزة، إن أعداد زبائنه تتناقص بشكل مستمر بسبب تفضيلهم التوجه إلى الصيدليات، مؤكدًا أن الصيادلة لا يقدمون الاستشارة الطبية المناسبة "لأن الصيدلاني لا يملك علم الطب".

وفسر: "مثال على سوء تشخيص الأمراض في الصيدليات، يتجه الصيادلة لصرف عقار الأسيتامينوفين، أو الأيبوبروفين للأطفال المصابين بالسعال، أو بأعراض البرد والانفلونزا، ولكن لا يدركون أن هذه العقاقير محظورة في حالات مرضية محددة، وربما تأتي بنتائج عكسية، لذلك لا يمكن أن يحل الصيدلي محل الطبيب مهما بلغت مهارته الطبية".

وأضاف منة: "كذلك الحال عند صرف التحاميل كخافض للحرارة عند الأطفال، فهناك أنواع من التحاميل لا يجوز صرفها لحالات مرضية محددة، وقد تعرّض حياة الأطفال لخطر شديد، كما أن صرف الأسبرين للأطفال دون فحص ما إذا كانوا مصابين بالجدري، سيعرض حياتهم للخطر أيضًا".

وطالب منة الجهات الرقابية، بضبط حالة التداوي في الصيدليات، "لما في ذلك من خطر كبير على حياة المرضى، فضلًا عن خرق القانون الفلسطيني الذي لا يجيز للصيدلاني تقديم الاستشارات الطبية".

من جانبه يؤكد المحلل الاقتصادي محمد أبو جياب لـ"نوى"، أن الوضع المادي الصعب الذي يعاني منه المواطنون إلى جانب تعاظم مستويات الفقر والبطالة، تعد من الأسباب الرئيسة وراء لجوئهم إلى الصيدليات للتداوي، بدلًا من المستشفيات والعيادات الخاصة.

وبلغ معدل البطالة في قطاع غزة 47٪، بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، الصادرة في 15 فبراير 2022م.

وبيّن أبو جياب أن شريحةً واسعةً من المواطنين، لا تزال تتبع قواعد عدم المخالطة، التي سادت في المجتمع الفلسطيني عقب تفشي مرض كورونا عام 2020م، الأمر الذي جعل من الصيدليات المكان الأفضل للحصول على العلاج.

كاريكاتـــــير