شبكة نوى، فلسطينيات
gaza2023
اليوم الخميس 29 فبراير 2024م14:48 بتوقيت القدس

عمال اليومية بغزة..

12 ساعة.. و"حدٌّ أدنى" من الحياة الكريمة

05 فبراير 2023 - 14:54

شبكة نوى، فلسطينيات: بدأت الحكاية عندما نشر ناشطٌ صورةً لإعلانٍ مطبوع، معلق على باب أحد المحال التجارية، يطلب عاملًا بأجرةٍ أسبوعية (دوام 12 ساعةً يوميًا) بأجر 50 شيقلًا فقط لا غير!

تنظر إلى التفاصيل وتحتار: "أيقصد 50 شيقلًا مقابل 12 ساعةً في اليوم؟ هل خانه التعبير؟ أم أن ما فهمناه صحيح؟ وأيًا كان مقصده، فهذا هو واقع العمال فعلًا في قطاع غزة

أبو عبد الله (الذي اكتفى بذكر كنيته)، عاملٌ في أحد مخابز جنوب قطاع غزة. يبدأ دوامه تمام السادسة صباحًا، وينتهي عند السابعة مساءً على أجرة 10 شواقل! يتساءل الرجل بقهر إذا ما كانت هذه المقابلة ستغير شيئًا في الواقع ويقول: "إيش بيفيد تشخيص المشخّص؟ فش حد بغزة، مواطنين وقادة، إلا بيعرفوا بأوضاع الغلابا عمال اليومية"

بقربه يقف شابٌ يحاول فرد عجين الصاج بكلتا يديه بخفة، وقد عرفنا أنه خريج من قسم اللغة العربية- كلية الآداب في الجامعة الإسلامية قبل خمس سنوات، بينما لم يعمل في تخصصه إلا بعقد بطالة، ولمدة ستة أشهر! يعقّب متهكّمًا بصوتٍ عالٍ: "صاحب المخبز فش أحسن منه".

يضيف:" الأمر غير مقتصر فقط علينا في المخابز، وين ما كان هذا هو المقابل اللي يندفع للعمال بعد يوم ربنا اللي بعلم شو بنشوف فيه، ومش راح يتغير شي لـأنه الكل بعرف وساكت".

أشاح بوجهه وأكمل عمله، خشية أن يسمع أحد ما يتفوه به فيفقد "الفتات" الذي يتقاضاه ويسد به رمق أسرته.

ويتلقى مركز الديمقراطية وحقوق العاملين من 30 إلى 50 شكوى شهريًا، تتعلق في مجملها بالمشاكل العمالية في المنشآت الاقتصادية -وفق ما أكد المستشار القانوني بالمركز علي الجرجاوي لـ"ـنوى".

ويشير الجرجاوي إلى أن قانون العمل رقم (7) لسنة 2000م، وضع الكثير من البنود التي تحمي حقوق العمال، "لكن من المؤسف أن المطبق من هذه البنود لا يتجاوز 10%، وأهمها عقد العمل الذي يتهرب غالبية أرباب العمل من منحه للعمال، خشية استخدامه كـ دليل وقت الخصومة، في حال الفصل التعسفي، أو تعرض العامل لإصابة عمل، ومطالبته بالتعويض".

ولفت الجرجاوي إلى أن قانون العمل كان واضحًا في تحديد ساعات العمل الرسمية، التي لا يجب أن تتجاوز 45 ساعة أسبوعيًا، أي بمعدل 8 ساعات يوميًا، مع استحقاق يوم إجازة في كل أسبوع، "في حين لا يجب أن تزيد عدد الساعات الإضافية على 12 ساعة أسبوعيًا، بمعدل ساعتين يوميًا، ويشترط فيها رضى العامل، وتكون مدفوعة الأجر" يضيف.

ويستدرك بأسف: "لكن على أرض الواقع الأمر يختلف بشكل كلي، إذ يتغاضى غالبية أرباب العمل عن تطبيق أي من هذه البنود، التي تحمي العامل وتحفظ كرامته (..) العمال في أغلب الأحيان: في المطاعم، أو محطات تعبئة البنزين، وغيرها، يعملون لساعات تزيد على 12 ساعة يوميًا بأجورٍ زهيدة، ولا يتقاضون أجرًا عن أيام الإجازات حتى المرضية منها".

ويرى الجرجاوي أن العمال في أغلب الأوقات يرضخون لابتزاز رب العمل كونهم معرضين للطرد في حال الرفض، سيما وأن أرباب العمل يستغلون الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وارتفاع نسبة الفقر والبطالة، لفرض واقع مختلف تمس بحقوق العمال.

ويوضح الجرجاوي أن العمال وفي حال الفصل أو الطرد من حقهم مكافأة نهاية خدمة، تبعًا للقانون، لكن التسويف من قبل أرباب العمل، لا سيما وأن الفصل في القضايا العمالية يحتاج لسنوات، وفي حال الحكم يتم الدفع بالتقسيط، ما يمس باحتياجات العامل، وحقوقه.

وفيما يتعلق بالأجور يوضح الجرجاوي أن قانون العمل وضع حدًا أدنى للأجور في العام 2012م، لا يقل عن 1450 شيكل، تم تحديثه في قرار عام 2021م ليرتفع إلى 1880 شيكل، ولكن بقي القرار مجرد حبر على ورق، إذ أن أي جهة حكومية، أو حتى وزارة العمل، لم تستطع فرض تطبيقه على أرض الواقع.

الإشكالية كما يشخصها الجرجاوي تكمن في أن دائرة التفتيش العمالي، وهي الأهم بوزارة العمل، لا يزيد عدد موظفيها على 20، في حين أن المنشآت الاقتصادية المسجلة تزيد على 50 ألف منشأة، "وهو ما يعني أن مقدرة هذا العدد من الموظفين على التفتيش بالشكل المطلوب، وتحقيق الرقابة الحقيقية، وضمان بيئة عمل عادلة للعمال، أمر مستحيل".

رغم ذلك، يُحمّل الجرجاوي جزءًا من المسؤولية لبعض العمال، الذين يساهمون في تضييع حقوقهم برفض تسجيلهم ضمن سجلات وزارة العمل خوفًا من انقطاع استفادته من المساعدات المقدمة من هنا أو هناك.

ويرى أن المشكلة تكمن في تطبيق القانون، مؤكدًا على ضرورة إعادة تفعيل دور النقابات العمالية، التي تدعم وتساند العامل، والسعي لزيادة عدد المفتشين بالشكل الذي يتناسب مع عدد المنشآت، للوصول إلى الحد الأدنى مما هو مطلوب من حقوق العمال.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير