شبكة نوى، فلسطينيات
gaza2023
اليوم السبت 15 يونيو 2024م14:23 بتوقيت القدس

رائحة الجدّة.. سمن وسكر في طبق "مبَسْبَس"

19 يناير 2023 - 13:33

الخليل:

أن تكون مغتربًا وتعود إلى الخليل في فصل الشتاء، يعني أن تتلقّفك رائحة جدتك حتى لو "صُدفة" في أحد الشوارع. هذا حرفيًا ما شعر به محمد الخلايلة عندما اعترضت طريقه عربةً صغيرة يبيع صاحبها "المبسبس" في يومٍ ماطر.

"رائحة أخذتي لعمر الطفولة، وبيت ستّي أم ناصر. التلفزيون القديم، ولمة العيلة ودفاها" يقول لـ"نوى".

والمبسبس، أكلة شعبية تعرفها الخليل منذ زمنٍ بعيد، حيث كانت تصنع منزليًا في ليالي الشتاء، أيام كانت الحلوى الفاخرة "قضامة بسكر".

مفتول ناعم جدًا، بلون أصفر فاقع، يُطبخ على البخار بالسمن البلدي والسكر. "وبعض الجدّات كُن يصنعنه على هيئة كرات صغيرة كنوعٍ من التفنّن" يضيف محمد.

يخبرنا محمد الذي يبلغ من العمر اليوم ( 45عامًا)، أن البيت الذي كانت تصدر منه رائحة السمن البلدي ليلًا، يعرف جيرانه أن ربته تعد لأطفالها "المبسبس"، ولما تقدم العمر، واختلف الحال، وبدأت محال الحلوى تنتشر في الشوارع والطرقات، غدا "حلوى منسية، صانت وجودها الجدّات".

يذكر محمد جدته، التي كانت تفتل "المبسبس" بيديها الدافئتين، و"تنغنغه" بالسمن والسكر، ثم تصبه في طبقٍ كبير، يأكل منه الجميع، بينما هي تراقبٌ وتبتسم، وتتمتم بدعوات البركة: "كلوا يا ستي، هذا بيدفّي قلوبكم من البرد".

يتنهّد الرجل، ويتابع: "الله على أيام زمان، وقصص أيام زمان! المبسبس له حكاية أصيلة ربطت حواسنا مع لمّة بيت جدتي، حين كنا نجتمع مع أبناء أعمامي وعمتي".

ويزيد: "حينها لم نكن ندرك همومنا في الحياة، ومرارة ما ينتظرنا فيها. لقد استوعبنا الحياة بغربتنا بحثًا عن حياةٍ أفضل بعيدًا عن الاحتلال".

"كنايف يا مبسبس" هكذا ينادي نور على هذه الأكلة الشعبية التي قرر أن يعيد مجدها في شوارع الخليل. يلفت أنظار الناس بصوته الجهور، وينادي قلوبهم: "هيا هلموا، هنا ذكريات الزمن الجميل". يستغرب الشاب في أحيان كثيرة، من أبناء الجيل الجديد الذين يأتونه ليسألوه: "شو المبسبس؟"، ويترك الرد للذواقة الذين اشتروا للتو من عنده: "معقول ما بتعرف المبسبس؟ ولا مرة شفت ستك بتعمله؟".

ولعل هذا واحد من الأسباب التي جعلته يتأكد من صحة مساره نحو باب الرزق هذا، "هي فرصة لمحاربة الأوضاع المعيشية السيئة التي يعيشها الشباب في الخليل تحت الاحتلال" يقول.

ويتابع: "لم تكن فكرة بيعه رائجة قبل نحو عامين كون صنعه خاص بالمنازل فقط، لكنني قررتُ فعلها قبل سنوات، وبالفعل لاقت رواجًا كبيرًا.. رجال كبار في السن، ونساء، يأتون إليَّ ليشكروني على هذه الفرصة. على أنني أحييت فيهم ذكريات كادت تُدفن في تلابيب الذاكرة".

يضحك ويتابع: "ويا ويلي عندما تشتري سيدة مسنة مني طبقًا! تبدأ بنقد الطعم، وبين الكلمة والكلمة تهمس في أذني: بدي إياك تتعلم، علشان المرة الجاي يكون أزكى. بدك تزيد السمنة شوي! حاول تقلل سكر، أو تحطه على جنب للي بدو يزيد بيزيد".

يشعر نور أحياناً أن عربته تحوّلت إلى ديوان. يأتي الناس للشراء لكنهم يتبادلون الحديث والذكريات التي ربطتهم بهذا النوع من الحلوى. لا تنتهي القصص، بل يأخذون المزيد من الأطباق، ويعرّفون أطفالهم بها قائلين: "نحن كبرنا وصحتنا جيدة بسبب هذا الاختراع العظيم".

أمينة بدر تبلغ من العمر (27 عامًا)، لم تكن تعرفه لكن قصة مغترب أمام العربة لفتَتها، فالتقطت صورة لها بجانب الطبق لترسله إلى عائلتها. تقول: "التقطتُ صورةً بجانبه وأرسلتها إلى مجموعة العائلة، ونصفها من المغتربين. صورة واحدة كانت كفيلة بفتح أرشيف ذكرياتنا وصورنا بينما كنا أطفالاً حول جدتي، وأطباق المبسبس، أخذنا نتداولها بكل حب وشغف".

في الحقيقة، الأكلات من الموروثات الشعبية هذه ليست مجرّد طعام يتناوله الإنسان ويمرّ عنه، بل إنها قصة بلاد وأجيال مرّت على فلسطين، علينا أن نُوثق أدق التفاصيل فيها قبل أن تُسرق "ولنا في الحمص والفلافل سابقة مع إسرائيل" تقول أمينة.

البلاد في صورة، "الحارة وبيت جدتي والمبسبس"، يا ليتكم ترسلونها لي عبر العالم الافتراضي مجددًا، لعلّى أعود طفلةً خاليةً من الهموم! تختم أمينة التي عادت إلى مقر غربتها قبل عدة أيام فقط.

كاريكاتـــــير