شبكة نوى، فلسطينيات
gaza2023
اليوم الاربعاء 17 ابريل 2024م18:53 بتوقيت القدس

لغة الضاد.. دررٌ تختبئ في أصداف الكَلِم

18 ديسمبر 2022 - 17:47

غزة:

في لغتنا العربية تصطف المفردات مثل بتلاتِ زهورٍ متناغمة الألوان، تبتسم كاشفةً ميسمها لمن يريد التعبير عن فكرته، بالجزل من الألفاظ وعذبُها.

في لغتنا العربية، تنطلق المترادفات كشُعع النور المنبعثة من قناديل تسابق بعضها؛ كمسيرةٍ تتزاحم فيها المعاني هاتفة باسم لغة الضاد، فقراتها معزوفة عود منظوم الأوتار، إذا ضربت إحداها استجابت الباقيات.

ولأن لغتنا الجمال وتوصيفاته يتحدث بها أكثر من 450 مليون عربي كلغة أساسية، ونحو 180 مليونًا كلغة ثانية، فقد اختارت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ‏ (يونيسكو) يوم 18 ديسمبر من كل عامٍ، يومًا للاحتفاء باللغة العربية، ويركز هذا العام على مساهمة العربية في الحضارة والثقافة الإنسانية.

لكن اللغة التي يتحدث بها نحو ثلث سكّان العالم، تعاني إهمال جمالها وتتساقط من على ألسنة الغالبية من أبنائها.

الكاتب والمفكّر توفيق أبو شومر، كتب في صفحته على الفيس بوك معاتبًا من أهملوا إحياء اللغة العربية، ومنتقدًا من يهملونها، فيقول :"إن اللغات هي مرايا أهلها، تعكس ضعف الضعفاء، وقوة الأقوياء، فالأقوياء يعتبرون لغتهم رمزا للعزة والإباء، أما الضعفاء فينسبون لها هوانهم وعجزهم!

"نحن مشغولون بالسياسة، فلم تعد اللغةُ العربيةُ ملائمة لأفواهنا، لأن خبزَ أفواهنا مملوءٌ بسوس اللهجات واللغات الأخرى، أما نداواتنا فتنشر الأمراض المزمنة للهجاتِ في قواميسها ومصطلحاتها، وتتولى ألسنتُنا شنق اللغة، ثم تلفظها شفاهُنا جثثا هامدة!".

يتابع: "فأطفالنا اليوم يرضعون أثداء بقايا اللغاتٍ الأخرى، وقادتنا، وسياسيونا، ومثقفونا، حوَّلوها إلى مشاجب يعلقون فوقها نظرياتهم السياسية التضليلية، التي تُبرز عجزهم، وبؤسهم، وقلة حيلتهم! أما معلموها فهم ناسجو أكفانها، وحافرو قبورها، يُجرعونها لطالبيها كدواء انتهى تاريخُ صلاحيته، بملاعق مسطحة، مثقَّبة".

يضيف :"أما وسائل إعلام العرب، فقد أصبح الحديثُ الفصيحُ في معظم برامجها، وحواراتها، ومسلسلاتها تقعُّرا، وفذلكة، وتنطُّعا، وفلسفة، تُنفِّر السامعين".

يردِف:" نجحتْ كلُّ دول العالم في تطويع تكنولوجيا العصر لخدمة لغاتها، فصاغوا لغاتهم في قوالب تعليمية جميلة بأشكال مختلفة، وظلتُ لغتنا العربية تحتاج إلى الغوَّاصين، والمنقبين، عن دُررها ليتمكنوا من الاستغناء عن الطريقة التقليدية الجامدة في تدريس قواعدها ونحوها، فقواعد اللغات في العالم تُدرس من خلال النصوص، وليس من خلال الألفيات الشعرية."

فاللغة العربية هي هبة الله المقدسة التي صاغ من حروفها كتابه العزيز فأحسن الصياغة والمحتوى، وأجاد جلّ وعلا في خلقه لها فاستحقت أن تكون لغة الحضارة والتاريخ، حروفها تامة، ومضامينها ناجزة، وبلاغتها مشهودٌ لها، وتجليّات خوافيها لا تخفى على عالم، لغة الضاد المتفرّدة بكمالها، الرصينة التامة، كما تصفها الشاعرة كفاح الغصين في حديث لشبكة نوى

الهجرات المتتالية للشبان العرب للخارج، شكّلت كما ترى الغصين تحديًا جديدًا، فمع الوقت ينصهرون في البيئات الجديدة بلغاتها المختلفة التي تبهَت بها اللغة العربية مع مرور الوقت لدى أهلها، ناهيك عن ضعف الاهتمام باللغة العربية بالشكل الكافي في المدارس والجامعات، ونشوء أجيال تعاني من عاهات في الإملاء والبلاغة، والنحو والصرف، وابتعاد الكثيرون عن قراءة القرآن الكريم كنز اللغة العربية الثمين، بما يحويه من درر لفظة ومعاني جامعة، ودقة في التوصيف، وبلاغة لا مثيل لها، وتراكيب تفوق المقدرة على استيعاب مدى حلاوتها، وما بها من إعجاز لا يليق إلا بمن أنزله من السماء على عبده ذات خلوة في غار حراء.

هناك إشكالية متمثلة في النشر والحالة الثقافية برمتها التي قد تسيء دون قصد للغة العربية، والقصد هنا نشر المؤلفات الفجّة المحتوى، ركيكة الأسلوب، المليئة بالأخطاء والتي تهبط بمستوى القارئ للحضيض، وبالتالي يبني ثقافته المكتسبة على أخطاء لا تُغتفر، وتَصدّر أنصاف المثقفين ومدّعي الثقافة والإبداع للحالة الثقافية يجعل منهم نماذج فاشلة ومضرة للاقتداء، كل هذا يؤثر في سمو اللغة العربية وانحدارها من علياء توهجها.. ويشكّل بمجموعِه أداة تشويه ومعّول هدم لما هو ذو قيمة كما ترى الغصين.

للإعلام دور كبير في النهوض باللغة العربية، والحد من تدهورها، كما ترى الغصين، لكون الإعلام هو الضيف الذي يجلس في كل وقت مع أفراد العائلة بلا استئذان، ويفرغ ما بجعبته بكل اقتدار وصلف، بالتالي هو وسيلة بث لعقلية المتلقي الذي تتفاوت ثقافته، ودرجة استيعابه للسم في الدسم، ومدى اقتدائه بما هو معروض.

الإعلاميون والإعلاميات أكثر الناس تماساً مع الناس، ولذلك ترى الغصين وجوب ترفعهم عن اللغة العامية المحكية وثباتهم وتجذرهم خلف متراس اللغة العربية السليمة، في عرض كل ما هو إعلامي للجمهور، لتصبح لغتهم منارة يهتدي بها المتلقون، مع ضرورة التركيز على برامج تتناول اللغة العربية بمفاهيمها وأدبها، وجمالياتها.

فاللغة العربية ما زالت من أقدم اللغات وأعرقها رغم ما يصيبها من تراجع كما تؤكد الصحافية حنان أبو دغيم، وهناك الكثير من المخاطر المحدّقة بها، ولا شك أن الأمل معقود على وسائل الإعلام للنهوض بواقعها، لكن للأسف، لم يؤدِ الإعلام دوره المطلوب، بل إنه بقصد أو دون قصد يتوسّع في استخدام اللهجة العامية الدارِجة على حساب العربية الفصحى.

وتركّز أبو دغيم على الإعلام المرئي والمسموع كونه الأكثر وصولًا للبيوت، ولأن آذان الناس تلتقطه، وهم باستخدام العامية ربما يظنّون أنهم أقرب للجمهور وإلى ذوقه، والأصل أن يكون على عاتقه الرقي بالذوق العام، بل هناك من يدرج المفردات الإنجليزية بين كلمته وكأنها دليل ثقافة أو تحضّر، خاصة بين مذيعي البرامج المفتوحة، وحتى من يستخدمون الفصحى في البرامج الجادّة، كثيرًا ما نجدهم يلحَنون في التشكيل، بما يغيّر معنى الكلمة وحتى سياق الجملة.

وختمت بأن وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا أضرّ بلغة الضاد، فالغالبية يكتبون العامية الدارجة، و"الفرانكفورت" أي مفردات عربية بحروف أجنبية، وهذه أكثر خطورة، مؤكدة ضرورة أن يعي الإعلاميون والإعلاميات في كونه صانع لثقافة الناس وأن يكون هناك تدريب على اللغة العربية بشكل خاص للمذيعين والمذيعات كتابة ولفظًا، فجمال اللغة متكامل، كالقطعة الفنية الكاملة، فالمسؤولية إذن كبيرة، والمطلوب الارتقاء بالذوق العام وليس العكس.

وهنا نتذكر قصيدة الشاعر حافظ إبراهيم، "اللغة العربية تعاتب أبناءها":

رَجَعْتُ لنفْسِي فاتَّهمتُ حَصاتِي ** وناديْتُ قَوْمِي فاحْتَسَبْتُ حياتِي

رَمَوني بعُقمٍ في الشَّبابِ وليتَني** عَقِمتُ فلم أجزَعْ لقَولِ عِداتي

وَلَدتُ ولمَّا لم أجِدْ لعرائسي **رِجالاً وأَكفاءً وَأَدْتُ بناتِي

وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظاً وغاية ً **وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ

فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلة ٍ** وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ

أنا البحر في أحشائه الدر كامن ** فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي

فيا وَيحَكُم أبلى وتَبلى مَحاسِني ** ومنْكمْ وإنْ عَزَّ الدّواءُ أساتِي

كاريكاتـــــير