شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 09 ديسمبر 2022م11:21 بتوقيت القدس

روح "محمد الصوير" في رقبة مَن؟

24 نوفمبر 2022 - 14:06

غزة:

فرصة عمل بأجر يومي بالكاد يكفي لسدّ رمق عائلته، كانت السبب في انتهاء ساعات عُمره.  لقد تُوفّي الفتى "محمد الصوّير" أثناء عمله في أحد المواقع التابعة لبلدية غزة مؤخرًا، فيما بقي موته "قضية عالقة"، لم يقف عند مسؤليته عنها أحد! ويتساءل والده المكلوم: "روح ابني برقبة مين؟".

في تفاصيل الحكاية، كان الفتى محمد الصوير وعمره (17 عامًا)، يعمل لدى المقاول "م.خ"، المتعاقد مع بلدية غزة في أحد المواقع التابعة للبلدية بأجر يومي قدره 25 شيكلًا حسب إفادة والده، بالكاد تكفي لسد رمق الأسرة.

يقول والده أشرف لـ"نوى": "يعمل مع المقاول منذ ثلاثة شهور، توقف فترة بسبب ألم في يده، فهو جريح من مسيرات العودة، لكن منذ عشرة أيام عاد على أن يعمل في مهام تناسب وضعه، فهو يفتح ويغلق محابس المياه، وينظّف من تحت الأشجار، ورغم ذلك كانت فترة عمله تمتد إلى 12 ساعة".

جمال (25 عامًا)، وهو شقيق محمد الأكبر، فيعمل مع ذات المقاول مقابل (30 شيكلًا) يوميًا، ولكن في مهام أخرى، منها فتح قنوات الصرف الصحي، خاصة قبل استقبال المنخفضات.

يقول والده: "في ذلك اليوم اتصل بي ابن عمتي وهو يعمل في المباحث، وأخبرني أن محمد سقط أثناء العمل ونقلوه إلى المستشفى، استغربت اتصاله، ولماذا يأتي بنفسه ليأخذني للمستشفى؟! ذهبتُ معه فوجدتُ محمد ميتًا وحده، لا يوجد أي شخص معه (..) لم أتمالك نفسي، ولم أعرف ما أفعل؟ ابني متوفى ولا أحد معه تخيلوا!".

يكمل شقيقه جمال (25 عامًا): "في يوم الأحد 6 نوفمبر قبل المنخفض بيومين، كنت في مهمة فتح المجرى في البئر من أجل تصريف المياه عند حدوث المنخفض، مجرد أن فتحت البئر انبعثت غازات خانقة، لم أتمكن يومها من العمل وقلت لموظف البلدية أنني سأعود في اليوم الثاني لمتابعة العمل".

ويؤكد جمال أنه حذّر الموظف من اصطحاب شقيقه محمد كونه صغير، ولا يستطيع القيام بهذه المهام، وأن الموظف وعده بألا يصطحب محمد الذي كان يفترض أن يتأخر في مكان عمله، وليس في هذا المكان، الذي هو بئر تصريف مياه صرف صحي.

ويكمل: "صُدِمت بوصول خبر وفاة أخي. نحن نعمل بلا أي إجراءات وقاية ولا حماية، وأجري اليومي لا يزيد على 30 شيكلًا. مطلوبٌ مني شراء معدات السلامة على نفقتي"، مضيفًا: "أحيانًا يمر موظف البلدية، ويكتب مخالفة للمقاول بسبب عدم استخدامنا أدوات السلامة، فالمقاول يُحمّلنا نحن مسؤولة المخالفة التي وقعت عليه، رغم أنه لا يوفر شيئًا، ويريدنا أن نوفرها على نفقتنا ونحن دخلنا لا يكفي".

عودة إلى والد محمد الذي يُكمل: "موظف البلدية اصطحب محمد إلى مكان غير مكان عمله، وأنزله في البئر بلا أدوات حماية. اختنق محمد وسقط داخل البئر وغرق في مياه الصرف الصحي".

وبغضب يقول: "ابني مات مخنوق. ابني شرب عدة لترات من المياه السامة. الكل يتهرب، روح ابني في رقبة من؟".

ويستذكر الأب المكلوم الحياة البائسة لابنه الذي اضطر للخروج من المدرسة مبكرًا، بعد وفاة أمه قبل عام ونيّف إثر إصابتها بمرض السرطان، فيقول: "كان يحب الرياضية، وكان يتمنى أن يجمع بعض المال ليحصل على رخصة، ثم يشتري سيارة يعمل عليها. استذكر الأب بالدموع رغبة ابنه في الحصول على مالٍ يشتري به بيت يريحه من عناء دفع الإيجار الشهري لبيتنا الصغير هذا".

"نوى" تابعت القضية، والتقت رئيس قسم التفتيش وحماية العمل في وزارة العمل، محمد صبيح، الذي أكد أن الدائرة تتابع شروط وظروف العمل في كل المواقع، "أي ماله علاقة بالرواتب والإجازات وإجراءات الأمان، بالتالي فإن قضية الفتى الصوير هي من مهام البلدية".

وأضاف: "المديرية تشرف على خمس أقسام تفتيش، وتعمل على زيارة المنشآت، والتأكُّد من بيئة العمل، ويعمل بها نحو 12-14 مفتشًا، وهو عدد غير كافٍ في ظل وجود 1400 منشأة على مستوى قطاع غزة، ورغم أن هذا الحال موجود منذ سنوات، إلا أن صبيح يجيب بأن الوضع الحكومي لم يسمح بتوظيف المزيد، فيتم زيارة المنشآت وفق أولويات حسب درجة الخطورة.

ويقول: "زارت وزارة العمل المقاول الذي كان يعمل لديه الفتى الصوير لمتابعة الحادثة، الذي أجابنا بأن الفتى يعمل لثماني ساعات فقط في مهمة تصريف المياه وفتح المحابس، وطبيعة عمله واضحة وتناسب عمره وهي مهام مسموح بها للأحداث".

ويكمل: "في يوم الحادثة كان الفتى قد انتهى من دوامه، وأخبر من معه بأنه سيتأخر لأن موظف البلدية سيوصله بسيارة البلدية، وهو انتقل معه بنفسه إلى مكان آخر ليس مكان عمله".

ويزيد: "وزارة العمل ذهبت إلى والد الفتى وأرشدته إلى الإجراءات الواجب اتباعها، وأن بإمكانه فتح ملف لدى وزارة العمل من أجل متابعة قضية ابنه"، مشيرًا إلى أنه في ذات الوقت، أخبره بأن الفتى توفي بعد انتهاء عمله، وفي مكانٍ غير مكان عمله، وبالتالي لا مسؤولية للمقاول ولا لشركة التأمين، إنما هو قرار شخصي من الفتى، ويتحمل المسؤولية عنه موظف البلدية.

وحول عدم التزام المقاول بإجراءات السلامة، قال صبيح: "كل مهنة لها إجراءات خاصة بها، والمقاول أكد أنه يوفر ما هو مطلوب".

بدورها، أصدرت بلدية غزة، في يوم الحادثة بيانًا لنعي الصوّير.

رئيس البلدية د.يحيى السراج، وخلال اجتماعٍ أجاب فيه على أسئلة الصحافيين حول عمل البلدية في قطاع غزة، ردّ على تساؤل "نوى" حول ظروف وفاة الفتى بأن التحقيقات ما زالت مستمرة من قبل الجهات الرسمية بشأن الحادثة، وأن البلدية لن تتخلى عن مسؤولياتها وهي بانتظار نتائج التحقيق".

كاريكاتـــــير