شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 29 يناير 2023م00:12 بتوقيت القدس

أطفال وشبان يمتهنونه لكسب العيش..

"تنظيف الأسماك".. حين "يزدهر" الفقر بغزة!

06 نوفمبر 2022 - 14:30

قطاع غزة:

قبل طلوع الشمس، يقصد أطفالٌ وشبان في مدينة غزة حسبة السمك، أو محلات بيعه الصغيرة في مخيّم الشاطئ الواقع غربي المدينة. ليس للشراء هذه المرة، بل للعمل في تنظيفه مقابل أجرٍ زهيد.

يأتي الصيادون بشباك صيدهم، ويفرشون الأرض برزق البحر. يوزعونه في صناديق مخصصة للحفظ، وينتظرون "العابرين إلى معداتهم" من هذا الطريق قبل السابعة صباحًا، وينادون على أسماكهم: "بدنا راحتكم يا عم.. اشتري واشوي، أسماكنا منظفة وجاهزة. بدنا راحتكم يا عم". تتساءل بينك وبين نفسك: كيف يبدو الأمر عن قرب؟

حسناً، يتنافس الصغار والشبان لتنظيف الأسماك المشتراة مقابل مبلغ يتراوح بين 2 و4 شواكل، أي حوالي دولار واحد أو أقل بحسب الكمية. يصطفون أمام طاولات خشبية، ويبدأون بفتح بطون الأسماك، وإخراج أحشائها، ثم قشرها بسرعة وإتقان حتى تمتلأ رؤوسهم برذاذها الفضي. يتبادلون أحيانًا أطراف الحديث، ويلقون بهمومهم أرضًا، ثم يبتسمون للقادم "لعله يكون أجمل" يأملون.

يقول محمد: "يصير الإنسان ذو قيمة بعمله"، وإن كان العمل بسيطًا، أو أجره زهيد، يكفي أن يشعر بقيمته في النهاية، أن يشكره الناس وأن تُسمعه النساء عبارات الثناء كـ"يديك هذه تلتف بحرير"، مقابل تنظيف الأسماك الذي تحمل ربات المنازل همّه كل مرة.

محمد مصباح الذي يعيش منذ 19 عامًا في غزة المحاصرة، لم يحالفه الحظ لإكمال مسيرته التعليمية في المدرسة بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية التي تطحن عائلته، راح يعمل بالصيد مع والده في عمره الـ 13، ثم أجبر على تركه والعمل بمحل بيع للأسماك هربًا من هجمات الاحتلال التي طالته ذات مرة في عرض البحر مع أبيه.

يسعى منذ الفجر للعمل، يحمل الأسماك ويرتبها على طاولته، يبدأ بتنظيفها من القشور، ثم يقطع رؤوسها، ويجمعها في وعاءٍ خاص يقدمه لاحقًا للقطط في منزله، بعدها يستخرجُ الأحشاء ويغسل السمكات بالماء قبل أن يضعها بأكياسٍ للزبائن.

أمام محمد في محلٍ مقابل، يقف عدنان صقر (13 عامًا). ينافسه خلال إجازته المدرسية، فيستقطب زبائنه بطريقة جذابة. يغني لهم ويقول: "عدنان ليس له مثيل بهذه المهنة، ليس بالمال، بل بالابتسامة الحلوة. لدينا عروض، وربما أنظفها لكم مجانًا". يقبل عليه الناس ويكرمونه أكثر، يخبرنا.

يقول: "من أسعد أيام حياتي يوم لمعت في عيني هذه المهنة البسيطة، أحصل على أجر وإن كان زهيدًا، لكنه عظيم بالنسبة لي ولعائلتي".

عدنان طالب مجتهد، وقد حصل على شهادةٍ تؤكد امتيازه العام الماضي فعلّق منها نسخة في محل السمك. يعدُّ نفسه مثابرًا، ويرى أن العيش في غزة يحتاج إلى المزاوجة والاعتماد على النفس من الصغر، "وإن كنتُ طفلًا. هنا لا يعيش الأطفال طفولتهم".

على عكس عمر بكر الذي أجبر عليها. يتأمله ويضحك، ويتمتم: "بكرا تندم على قولك هذا"، لماذا يا عمر؟ أخذ يحدثنا كيف أنه درس دبلوم المحاسبة لعامين، وحصل على معدل جيد، لكنه بالطبع لم "ولن" يحظى بفرصة عمل بسبب "القحط" الذي تعيشه غزة".

أكثر من ذلك، أن عمر الذي يبلغ من العمر (20 عامًا)، وعمل بمهن عديدة من بينها تنظيف الأسماك، يرى أنه يدفن نفسه أكثر كلما رضي بهذا العمل برغم احتياجه الشديد له، يعلق بقهر: "العوز من يفعل بنا ذلك".

لم يرغب بالكلام أكثر، راح يكمل عمله بعيدًا بوجهٍ غاضب، وغضبه هذا مفهوم لكل من يدرك ظروف بلاده وتحديدًا غزة التي تقع بين فكّي كماشة. حصار مطبق، وفرص ضئيلة بالنجاة من أثر العدوانات والحصار، والقتل البطيء الذي يمارسه الاحتلال الإسرائيلي.

كلمات دلالية
كاريكاتـــــير