شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 26 سبتمبر 2022م07:15 بتوقيت القدس

طلبة يتساءلون: "كيف انتهت؟"

إجازة صيف.. ثلاثة أشهر من "الفراغ" و"حرب"

19 اعسطس 2022 - 11:38
تصوير: مجدي فتحي
تصوير: مجدي فتحي

قطاع غزة:

يتساءل طفلٌ لا يتجاوز عمره عدد أصابع اليد الواحدة: "متى راح نعيش زي الناس؟". عبد الله جاسر يعرف تمامًا معنى الحياة، "ويراها -كما يعيشها الأطفال- على شاشات التلفزة في الدول التي لا تعرف الحرب" تقول أمه.

لا تعني الحياة بالنسبة له أن يتنفّس ويأكل ويشرب وينجو من الموت تحت نيران القصف. "لا. الحياة تعني أن يضحك من قلبه أمام مسرح دُمى، وأن يذهب إلى مدينة الألعاب في عيدٍ لا تزوره الصواريخ، وأن يمشي في شوارع نظيفة، وأن يعيش في بيتٍ آمن، وأن يجد مكانًا في إجازة الصيف الطويلة يقضي فيه وقته ويستفيد" تضيف.

عن نفسها لا تدري كأم، من هم الذين "يعيشون"؟، ربما هم من يسافرون؟ أو يخرجون للتنزه على شاطئ البحر؟ أو من يستثمرون الإجازة الصيفية بشكلها "الطبيعي" تحت هذه الخيارات.

"تكاد تنقضي الإجازة ولم نشعر بها!" تسمعُ (لما) ابنها صاحب الأعوام العشرة يردد. يأكل رأسها بكلماته هذه، فيتحول الحوار لجدال: "ألم نذهب إلى الشاليه مع عمّاتكم وأعمامكم؟" فيأتيها الجواب: "مرة واحدة لا تكفي يا أمي"، يجيبها الاثنان بصوتٍ واحد. "هم لا يدرون أن مصاريف الشاليهات يمكن أن تقصم ظهرنا، نحتاج إلى ما لا يقل عن 700 شيكل بين مقابل استئجار، وتوفير مستلزمات الطعام والشراب والمواصلات، وغير ذلك من مصاريف جانبية" تخبرنا الأم.

في قطاع غزة، الحقيقة الثابتة أن الحصار هو من يأكل الناس. لا خيارات متاحة للتنزه، إما أن تذهب للبحر أو إلى بعض المتنزهات، أو إلى "شاليهات خاصة"، هذا المتاح لكل الطبقات، لكن أبسط مكان يمكن أن يكلف! 

فحتى المتنزهات العامة دخولها يحتاج إلى رسوم دخول، وإن كانت رمزية بـ 2 شيكل للشخص الواحد، لكنها تشكل عبءًا على أسرة أمل المكونة من 9 أفراد، غير تكلفة المواصلات وبعض الاحتياجات اللازمة كالمُسلّيات للأطفال.

أمل طفلة تبلغ من العمر 13 عامًا، تقول إن الإجازة باتت "روتينًا" معروفًا بالنسبة لها من قبل أن تبدأ. رحلة إلى شاليه خاص مع الأقارب، ومرتين خلال شهرين زيارة إلى المتنزهات العامة ثم "فعاليات الشجارات العائلية" تضيف.

وتتابع: "شجارات لملء الفراغ، على شاحن الهاتف الذي أخذه شقيقي وأنا أريد شحن هاتفي في فترة وصول الكهرباء، شجار لأن ماما لا تريدني أن ألعب في الشارع، وشجار على ترتيب الغرف التي تُعدُّ ساحة ملعبنا طوال اليوم!".

وتكمل: "بابا مشغول طوال الوقت بعمله وماما كذلك، فهما يعملان من أجلنا هكذا يخبرانا". وبامتعاض تزيد الطفلة التي تحب لو تخرج يوميًا للتنزه: "أتمنى لو أذهب للبحر، وأن أمشي في شوارع غزة، وأن أتعلم ركوب الدراجة الهوائية، فأنطلق بها مع أولاد الحارة دون أن تباغتني أمي بالقول: ممنوع إنها "لعبة الأولاد!".

وتردف: "لا أعلم أين المسموح بنظر ماما التي لا تريد لنا سوى اللعب بالمنزل، وتستغرب علينا أنا وأشقائي الثلاثة تملمُلَنا من غرفة نومنا المشتركة!"

التقينا "مراد" عند بيت جدّه. طفلٌ نبيه، ما أن تحدّثنا عن الإجازة الصيفية حتى باغتنا بقوله: "غزة تفتقر لهذا المفهوم غالبًا، فإجازة من الدراسة، لا ترتبط بمفهوم التنزه، أو شحن الطاقة الإيجابية". قاطعته أمه ضاحكةً: "كل هذا يطلع منك يا مراد؟! أفهم أنك لست سعيدًا بها؟"

"بالطبع لا" ردّ بانفعال، وتابع: "إجازتي راحت بين إصابتي بفايروس كورونا مع أفراد أسرتي الخمسة، ثم زيارتين لشاطئ البحر مع منعٍ للسباحة بقرار من البلدية لارتفاع الموج"، ثم لم تعد نفسه ترغب بالتنزه خشية شن عدوان جديد على غزة، كالأخير الذي باغته حين استعد لزيارة بيت جده، فسبقته صواريخ الموت لتدك أرجاء قطاع غزة من شماله حتى جنوبه.

يرتبك الطفل وهو يصف فرحته آنذاك كونه سيلتقي خاله وأبناءه المغتربين لأول مرة منذ ولادته قبل تسع سنوات، لكن القصف الإسرائيلي قطع فرحته. بل جعله يؤكد على أمه ضرورة العودة إلى المنزل قبل حلول المساء تحسبًا لأي استهدافٍ مفاجئ!

بالتوازي مع هذا، وفي مدينةٍ عجّت بالضربات، لم تتردد مروة الحرتاني بالذهاب إلى فعالية ترفيه أقامها مبادرون في بلدة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة للتخفيف من صدمات العدوان الإسرائيلي عن الأطفال وعائلاتهم، لكنها فوجئت بعدم انخراط أطفالها كبقية الأطفال.

"الملل" أكثر ما يشكوه طفلها كنان، ملّ الألعاب التقليدية في المنزل، وملّ انقطاع الكهرباء، وملّ أماكن التنزه المحصورة أمامه في بيت جدّه وخالته. ملّ اللعب بالخيارات نفسها في كل إجازة صيفية حتى أتت هذه المرة بالتزامن مع القصف الذي أرعبه.

"كنان" وهو طفل يكره الروضة، كان متلهفًا لإجازته قبيل انتقاله إلى المدرسة، لكنه اليوم صار يبادلها بخيار "العدوان الإسرائيلي" وكأنه فرض من فروضها في القطاع، إذ تزامن شنَّ الاحتلال عدوانه مرات عديدة في هذه الفترة.

"المدرسة أهون من الموت تحت الصواريخ، أنا بدي أعيش" مرعبة هذه الجملة، وحين غيّرنا مسار سؤالنا عن أكثر ما يحب فعله بإجازته، فيما لو لم يكن هنا احتلال أجاب: "كنت سافرت مع أهلي، أو طلعنا رحلة سفاري كما يفعل الناس الذين نشاهدهم عبر يوتيوب!".

كاريكاتـــــير