شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 26 سبتمبر 2022م07:00 بتوقيت القدس

آلاء الطهراوي.. "قلب أُم" في كيس أشلاء

08 اعسطس 2022 - 19:01

شبكة نوى، فلسطينيات: كان الفارق بين الحياة والموت في قصة آلاء الطهراوي "لحظة"! تنصتُ إلى ما يقوله أقرباؤها وتفتح فمك. يُدهشك لُطف الله في ابنها الوحيد، بقدر "كسرة القلب" و"نخزة الحسرة".

لا أحد يدري ما كان يدور في عقلها عندما طلبَت من زوجها اصطحاب طفلها الوحيد معه إلى البقالة القريبة لشراء بعض الحاجيات. ألحّت عليه وهو الذي خشي أن يصيبه مكروهٌ إن خرج "خذ أحمد معك". لعلّها كانت تشتم رائحة موتٍ يقترب، أو لعلّها قالتها بعفويتها المعتادة.. على أي حال هي ألطاف الله. استشهدت آلاء في مسكنها ومأمنها، وغدا "أحمد" الذي لم يكن قد وصل البقالة بعد يتيم أمه.. لا وحيدها وحسب.

طائرات الاحتلال الإسرائيلية دكّت المنزل بثلاثة صواريخ، ثم مثلها وزّعتها على الحي بأكمله. انقشع الغبار عن دمارٍ هائل، وعشرات الحكايات التي دُفنت مع أصحابها تحت الأنقاض. آلاء أيضًا كانت ترقد هناك بين دفّتي حكاية.

ساعاتٌ مضت. عصيبةً عصيبة، الأكف تتجه نحو السماء، وأظافر العاملين في الدفاع المدني تحفر في الصخر لعلَّ بصيص أملٍ يلوح. لكن لا صوت، ولا نفَس.

يقول أحد أقارب الشهيدة لـ "نوى": "أمضينا الليلة نُنقّب وننبش بأيدينا الركام، وندعو من صميم القلب أن نجدها حية. قضينا ساعاتٍ طويلة ننادي اسمها، لكن لا مجيب".

ثماني ساعات. لم تخرج بعدها آلاء حيّة! حتى أن أحدًا لم يعثر على جثّتها! كل ما تمكنوا من جمعه "أشلاء مفتتة" وستة جثامين أخرى.

رائحة الموت تنبعث في كل مكان بمحيط المبنى السكني الذي تم استهدافه في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، وخرابٌ طال المربع بأكمله. هناك قضت كل العائلات ليلةً دامية، وقاسية، تخللتها ضربات متفرقة من طائرات الاحتلال.

أما آلاء، تلك الأم التي يشهد لها الجميع بالأخلاق الرفيعة، فقد ارتقت تاركةً خلفها طفلًا لم يتجاوز الرابعة من عمره، أنجبته بعد سنواتٍ من المحاولات الفاشلة للزراعة.

كثيرةٌ هي الأحلام التي رسمتها له، وكانت في جميعها طرفًا رئيسيًا. هي لم تكن تدرك أن الموت سيخطفها من بين يدي الفرح بهذه الصورة الفجة. لم يودّع آلاء أحد، وكيف تودّع أشلاء في كيس كُتب عليه اسمها؟! لا ملامح ولا وجه تُزرع فوق وجنتيه قبلة. لقد حرمها الاحتلال حتى من إكمال الحلم برؤية أحمد "شابًا يُشار له بالبنان" هكذا كانت تقول لأبيه.

لم تُودَّع آلاء، وبقيت الصورة الأخيرة التي شاهدوها بها تضحك هي العالقة في مرمى البصر. ينظر أحمد حوله ويسأل "أين ماما؟"، ويغيب في عتمة الليل نائمًا بدمع عينه، دون أن تغني له أغنية، أو تحكي له قصة.

ليست مجزرة حي الشعوت في المدينة الجنوبية إلا نموذجًا يؤكد بشاعة المحتل، عندما كتب شهادة وفاتها بالدم، وترك طفلها وزوجها وما يزيد على مليوني مواطن في قطاع غزة على قيد الانتظار.

كاريكاتـــــير