شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 08 اعسطس 2022م17:05 بتوقيت القدس

ذوات بتر يروين حكاياتهن في مسرحية "طرف"

19 يوليو 2022 - 19:46

شبكة نوى، فلسطينيات: ثماني شابات على خشبة المسرح، لسنَ عادياتٍ بالمطلق، صعدنَ ليُسردن حكاياتهن مع "البتر" ضمن عرضٍ مسرحيٍ حمل عنوان "طرف".

وقفنَ بعنفوانٍ، وصفّقن لأنفسهنّ لأنهنّ "هنا الآن" بأقدامٍ منفردةٍ قوية. على الخشبة أثبتن أن الإعاقة في "اليأس"، وأن الحياة تتبع من يناديها فقط.

بدأت المسرحية بمصنعٍ للخياطة، تديره "نجاة"، المرأة التي قررت أن لا يقف بتر طرفها عائقًا أمام رغبتها في الحياة فأحبت رجلًا وتزوجته، وكونت عائلة صغيرة.

ثم ظهرت "وداد" بابتسامتها المشرقة. أم عريسٍ تنتظر فرحتها بابنها، قريبًا، وتحاول أن تنثر الفرح من حولها. أكثر ما يخيفها اليوم، أن ترى (إبرة الخياطة)، تلك التي كانت السبب وراء معاناتها بعد أن شكّتها يومًا بالخطأ، فتطور الأمر إلى أن وصل لأن تفقد قدمها في النهاية.

بحماسةٍ تروي وداد (55 عامًا) لـ"نوى" تجرُبتها بعد معاناةٍ لسنواتٍ طويلة انتهَت بالبتر، وتركيب طرفٍ صناعي، وتتحدث حول مشاركتها في العرض فتقول: "كانت تجربةً مميّزة على مدار 35 يومًا من التدريب المكثّف. وقفتُ على خشبة المسرح لأول مرة في حياتي لأروي حكايتي بشكل درامي. وهذه المرة حاولت أن أؤكد أن الإعاقة ليست نهاية المطاف، وأن الإنسان يجب أن يعيش حياته ويبحث دومًا عن قدراته التي لا تنتهي بفقدانه أحد أطرافه".

وعلى ذات الخشبة وقفت الشابة منى الأشقر (31 عامًا)، التي فقدت ساقها في العدوان الأول على قطاع غزة عام 2009م، فانقلبت حياتها بشكل كلي.

تقول لـ "نوى": "خلال العرض تروي كل واحدةٍ منا حكايتها بطريقة معينة، وأنا اخترت أن أروي قصتي وحكايتي مع البتر من خلال أبيات من الشعر كتبتُها بنفسي، وارتأيت أنها تعبر عني".

 تعترف منى أنها وبعض زميلاتها في بداية التدريب لم يكن متحمسات للعمل، لكن ومع مرور وقتٍ قصير بدأن يشعرن بأهمية ما سيقدمنه، وأنهن قادرات على إيصال رسالة قوية من خلال عرض الحكواتي.

تضيف: "بدأت أتعرف على نفسي بشكل جديد، أصبحتُ أكثر إقبالًا على الحياة والمجتمع، كما أن التدريب جعلني أتقبل ذاتي كما هي، وأقنعني بأن أسعى لأن يتقبلني المجتمع كما أنا".

العرض المسرحي الذي كتبته وأخرجته كل من منال بركات وعلا سالم، نُفذ في إطار برنامج "شفاء الجروح" الذي تقوم عليه اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتعاون مع مركز الأطراف الصناعية، وجمعية مسرح بذور للثقافة والفنون.

تقول المخرجة علا سالم لـ "نوى": "التجربة كانت مختلفة ومميزة رغم الصعوبات التي واجهناها، كنا بحاجة لبعض الوقت لبناء جسور الثقة بيننا وبين بعضنا كفريق، وهذا –لحظّنا- أخذ وقتًا قصيرًا جدًا، لقد أصبحت المشاركات يتحدثن عن كل ما يدور بداخلهن من هموم واهتمامات، وبالفعل تمكنا من طرق القضية من الزاوية الأكثر إلحاحًا".

وتتابع: "وصلنا بعد فترة من التدريب إلى أن ما يتناسب مع أوضاع بطلات العرض هو استخدام طريقة (الحكواتي)، بحيث تروي كل واحدة منهن قصتها، وتسلم إحداهن الأخرى طرف القصة لتكمل الثانية ضمن عرضٍ مسرحي شيق".

تدريبات كثيرة خاضتها بطلات العرض من ذوات البتر تطلبت الكثير من الأريحية في التعامل لخصوصية وضعهن مع الأطراف الصناعية التي يحتجن إلى تهويتها أو فكّها، من حين لآخر خاصة في ظل حرارة الجو.

تتابع: "اختيار الطريقة والمكان تم بالتشاور بين فريق العمل، والمخرجات اللواتي اتفقن في نهاية الأمر على اختيار المكان الذي يجمع أكبر عدد من النساء، ويمكن بداخله أن يتم تناول أطراف الحديث بينهن، فاخترنا معمل الخياطة، سيما وأنه يرمز أيضًا للحياة والألوان".

تعقب شريكتها في العمل منال بركات بالقول: "حاولت البطلات صناعة شيء جديد من خلال العرض المسرحي، لقد قدمن أنفسهن بشكل جديد، وأعدن إنتاج ذواتهن من جديد كما يردن".

لفتت بركات إلى أن هذا العرض المسرحي، يأتي في إطار منهجيةٍ تعتمد على التدخل النفسي لتمكين النساء ذوات البتر من خلال الدراما والمسرح، ذلك لتغيير نظرتهن للمستقبل، لا سيما وأن هذه الفئة من المبتورات، لديهم قلق دائم من المستقبل كونهن فقدن جزءًا مهمًا من أجسادهن، الأمر الذي وضعهن في زاوية محددة حتى في تعاطيهن مع المحيط المجتمعي.

ويهدف المشروع إلى تحسين الوضع النفسي لمبتوري الأطراف من خلال الدراما والعرض المسرحي، بالتركيز على القصة والحكاية التي تعطي لهذه الفئة مساحةً من الأمان للتفريغ، والحديث عن المشاكل الداخلية، بدون إشعار أحدٍ منهم بأنه أمام معالج نفسي يحاول إعادتهم لتفاصيل موجعة يمكن أن تنعكس بشكل سلبي على حالتهم.

خلال العرض المسرحي، الذي يدور بأكمله عن فرح منتظر، والتحضير له بوضع لمسات على بدلة الفرح من كل واحدة من البطلات، ينكشف الستار في نهاية العرض عن "بدلة" كانت في حقيقة الأمر طرفًا أرادت المشاركات صناعته بأنفسهن، ليصبحن قادرات على الحركة والاندماج في المجتمع بدون عوائق.

أما رسالة العرض وفق ما تؤكد مخرجتا العمل: "فهي ليست واحدة، بل رسائل عديدة أردنا إرسالها للمجتمع، ولذوي وذوات البتر أيضًا، وعلى رأسها أن البتر ليس نهاية المطاف، وأن من المهم لمن يقدر الله له أن يكون من هذه الفئة أن يطرق أكثر من باب، وأن يحاول في أكثر من اتجاه حتى يحققوا أحلامهم وأمنياتهم، وأن يتقبلوا أنفسهم، ويتعاطوا مع المجتمع كما لو كانوا بلا بترٍ أص