شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 19 اعسطس 2022م17:51 بتوقيت القدس

15 عامًا من الحصار

جيل بأكمله نشأ على اقتصاد ضُرب في مقتل

18 يونيو 2022 - 17:50

غزة:

"انهيار تام، حروب، حصار فقر، بطالة، تحوّل نحو الاستهلاك"، هكذا يمكن وصف حال الاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة، بعد 15 عامًا من الحصار والانقسام.

في تفاصيل الحكاية، وبعد فوز حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، ووصول التفاهمات الوطنية الفلسطينية إلى أفق مسدود وفشل كل جولات الحوار، وصل الوضع الفلسطيني إلى حد الاقتتال الداخلي ثم الانقسام السياسي الذي سيطرت بموجبه حماس على قطاع غزة الواقع جنوب فلسطين بمساحة 365 كيلومترًا يعيش فيه حاليًا 2 مليون نسمة.

الاحتلال الإسرائيلي كعادته استغل هذا الخلاف الداخلي لفرض حصار مشدد على قطاع غزة الذي يسيطر على كل معابره بل وشنّ أربع حروب وجولات من التصعيد خلّفت آلاف المنازل والمصانع والبنى التحتية التي دمرها، وفاقمت الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.

حرب على الصناعة

آثار الصدمة بدت واضحة على ملامح الشاب جهاد علوان وهو يدور على أنقاض مصنع كان يعمل فيه، ويحمل بقايا البضائع المحترقة وهو يقول :"هي تنكات زيت قلي وأغلفة باكيتات الشيبس شو عملت للاحتلال عشان يحرقها".

يضيف جهاد وهو ينادي بعلو صوته: "أكثر من 50 عاملًا أنا وزملائي بضربة واحدة فقدنا مصدر رزقنا، من وين أصرف على بيتي وأطفالي، من وين أصرف على أهلي وإخوتي".

هذا المشهد رصدته نوى عقب عدوان مايو 2021 الذي استمر 11 يومًا قتل خلاله الاحتلال 290 شهيدة وشهيدًا ودمّر عشرات المصانع في المنطقة الصناعية المقامة شرق مدينة غزة منذ عام 1996 على مساحة 480 ألف متر مربع، والتي ظن المستثمرون أنها آمنة لكن كالعادة لا خطوط حمراء أمام الاحتلال.

سامي البطش هو أحد الشريكين في المصع بصعوبة كان يتحدث فحجم خسارته كبير، يقول بصوت متقطع :"50 عاملًا فقدوا عملهم، ناهيك عن عمال آخرين في مصانع أخرى يعتمدون علينا سيفقدون عملهم"، قلّب كفيه وقال :"كل المواد احترقت وخسرت نحو مليون و200 الف دولار ولا أمل في تعويض قريب".

جهاد هو واحد من آلاف العمال الذين فقدوا عملهم نتيجة عدوان الاحتلال في قطاع غزة وسامي أحد أصحاب المصانع الذين تم تدمير مصانعهم.

تحوّل نحو الاستهلاك

مركز الميزان لحقوق الإنسان رصد في تقرير له مؤخرًا تدمير 3118 منشاة تجارية و557 مصنعًا و2237 مركبة و2755 منشآت عامة كلها تخص الصناعة.

استهداف المصانع بالقصف المباشر ليس السبب الوحيد لتراجع الاقتصاد في قطاع غزة، فمنع إدخال المواد الخام تسبب في تحوّل الاقتصاد الفلسطيني نحو الاستيراد وليس الصناعة والتصدير.

تقول المحللة الاقتصادية د.خلود الفليت لنوى إن الحروب التي تعرض لها قطاع غزة كانت سببًا في تدمير البنية التحتية للقطاع والحاجة لإعادة الإعمار عدة مرات.

وأضافت إن هناك مصانع توقفت بسبب التدمير خلال الحروب أو نقص المواد الخام أدت إلى وجود 230 ألف متعطّل عن العمل في قطاع غزة، فمنع التصدير للكثير من المنتجات أثّر سلبًا على المصانع، ومع السماح بوجود منتجات مستوردة تضاعفت مشكلة المصانع المحلية، التي باتت بحاجة إلى دعم كبير من الحكومة كي تتمكن من الاستمرار، لكن بشكل عام، فالاقتصاد في قطاع غزة لم يعد صناعيًا بسبب إغلاق المعابر والحصار، وبات استهلاكيًا.

الفقر والبطالة

تعيش المواطنة بدرية عفانة برفقة زوجها وأطفالها الثلاثة من مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة في بيت من الزينكو لا يقي حرب ولا برد، وهو مستأجر ومع عجز زوجها عن دفع الإيجار بات مهددًا بالسجن.

تقول بدرية :"يعمل زوجي في جمع البلاستيك وبيعه مقابل 10-15 شيكلًا يوميًا، ونعتمد في طعامنا على المساعدات من الجمعيات"، ويغلب على مساعدات الجمعيات المنتشرة في قطاع غزة أنها مشبعة رخيصة الثمن وليست مفيدة.

تضيف :"ليس لدي مال لتعبئة أسطوانة غاز واضطر للطبخ على النار مع أنها تؤذي صحتي"، وتعاني عفانة 26 عامًا من الضغط والسكري ويحول فقردها الشديد دون تمكنها من إجراء عملية لطفلها في عينه.

بدرية هي واحدة من آلاف الأسر الفقيرة في قطاع غزة، فـ15 عامًا من الحصار حالت دون وجود فرص عمل لمئات الآلاف، وبات اعتماد 82% من الأسر على المؤسسات أساسي في توفير الأمن الغذائي.

أزمة أخرى يعاني القطاع المحاصر وهي ارتفاع معدّل البطالة بين الخريجين، فالشابة سمر جمال "25عامًا" لم تحظَ حتى الآن بفرصة عمل، وحتى الفرص المؤقتة بالكاد تدرّ دخلًا يكفي مصروفها الشخصي.

وتصف الشابة التي تسكن حي النصر بمدينة غزة دخلها الشهري بـ"الفتات"، الذي بالكاد يكفي أجر مواصلاتها، وتقول :"قضيت أربع سنوات في الدراسة لعل الواقع يتحسن، ولكن هذا هو الحال".

الواقع ذاته، يعيشه محمد حامد (28 عامًا) مع اختلاف بعض التفاصيل، فالشاب الذي تخرج قبل أربع سنوات، لم يحظَ حتى الآن بفرصة عمل ثابتة، وحتى محاولة فتح مشروع خاص فشلت.

يقول لـ "نوى": "بحثتُ عن فرص كثيرة، سواء لدى الحكومة أو المؤسسات، لكن كلها مؤقتة أو عمل مقتطع لأيام وينتهي"، ملفتًا إلى أنه وصل لدرجة قبل فيها العمل ف يغير تخصصه ولا يكترث لظروف العمل أن توفر ولو كانت مجحفة.

وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني هذا العام، بلغ معدّل البطالة في فلسطين 26%، بواقع 372 ألف شخص عاطل عن العمل، بينهم 47% في قطاع غزة، (بواقع 230 ألف شخص)، مقابل 16% في الضفة الغربية، (أي بواقع 142 ألف شخص).

تقول المحللة الاقتصادية خلود الفليت إن نسبة البطالة تفاقمت بسبب الحصار حتى بلغت 75% والفقر 60% ومع توقف وزارة التنمية الاجتماعية عن صرف شيكات الشؤون للأسر المحتاجة منذ عام تقريبًا فاقم الوضع بشكل خطير جدًا، ومع طول سنوات الحصار التي تجاوزت الـ15 عامًا يتدهور الوضع ويزداد سوءًا خاصة مع حرب روسيا وأوكرانيا التي أدت الى ارتفاع أسعار الدقيق و المواد الأساسية وغاز الطهي والسولار بشكل غير مسبوق.

في ظل أزمة رواتب تخفيض الرواتب والتقاعد المالي المبكر وشيكات الشؤون مما يزيد من صعوبة الحياة في هذه المساحة المحدودة التي يعيش فيها2مليون نسمة غالبيتهم من الأطفال والشباب.

وتحدثت الفليت عن معاناة قطاع غزة من أزمة في الأمن الغذائي بسبب نقص التمويل الخارجي وانتشار للجريمة والطلاق ومشكلات اجتماعية وما بتنا نسميه هجرة الأدمغة نتيجة أزمة رواتب العاملين في الجامعات، وحتى مشاريع البنية التحتية الجارية في القطاع هي ليست تنموية، والاحتلال لا يسمح سوى باستيراد بضائع محددة لا تساعد الاقتصاد المحلي الذي تحوّل إلى الاستيراد وغاب التصدير.

بدورها قالت النقابية سميرة عبد العليم إن الحصار أثّر سلبًا على الاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة لارتباطه بالاحتلال بموجب اتفاقية باريس الاقتصادية وهذا دفع ثمنه الفلسطينيون والتجار الذين خسروا ومنعوا من التصدير.

وأضافت إن عدد المتعطلين عن العمل تزايد من 25 ألفًا عام 2005 إلى 350 ألفًا في مايو لهذا العام، ناهيك عن آلاف الصيادين الذين يحرمهم الاحتلال من الصيد في البحر ويتعرضون للمضايقات وإطلاق النار، وانتشرت البطالة في القطاع بشكل مخيف بلغ 58% والفقر 80% حيث تعتمد العائلات على المساعدات الإنسانية

وتابعت عن هذا الواقع خلّف مشكلات اجتماعية وتفكك في النسيج الاجتماعي وانتهاكات لحقوق العاملين والعاملات اللواتي تعمل الكثير منهن بأجور زهيدة فهي 150 شيكلًا لعاملات رياض الأطفال كما تعمل المزارعات بالساعة أو مقابل غلّة.

كما تسببت العدوانات الإسرائيلية- توضح عبد العليم-بتدمير مئات المصانع وفقدان آلاف العمال مصدر دخلهم وبات أصحاب المصانع تلاحقهم الديون مهددين بالحبس، وحتى حين داهمتنا جائحة كورونا لم يكن هناك جاهزية لحماية الفئات الأضعف فعانى العاملون والعاملات من فقدان مصادر دخلهم، وحتى المشاريع الصغيرة تفشل بسبب ضعف القدرة الشرائية للناس.

وشددت عبد العليم على حاجتنا إلى إنهاء الانقسام وتوحيد القوانين التي تحمي العمال وفتح المعبر وخاصة مع مصر من أجل وجود حركة تجارية واقتصادية نشطة تعيد للوضع الاقتصادي نشاطه.