شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 08 اعسطس 2022م17:09 بتوقيت القدس

"المُهُق".. حكاية "أعداء الشمس" ترويها "ماجدة"

15 يونيو 2022 - 17:25

شبكة نوى، فلسطينيات: "ما زال صدى قهقهاتهم يرن في أذني وهم ينادون بعضهم البعض: جاء الشبح"، تقول "ماجدة" بصوتٍ بالكاد يمكن سماعه لـ "نوى".

تفرك أصابعها بين الحرف وشقيقه، وتستذكر أيامًا تجثم على صدر الذاكرة، ثم تكمل: "كنتُ أرجع إلى البيت من المدرسة ودموعي تسبقني بسبب تعليقات زميلاتي على شكلي، ولون بشرتي، وشعري، كنتُ أشعر أن على الحياة أن تتوقف هنا في كل مرة، لولا القلوب التي وقفت معي وأسندت قلبي طوال تلك السنين".

"ماجدة" -وهو اسمٌ مستعار- واحدةٌ من مرضى "المهق"، وهو مجموعة من الأمراض الوراثية التي قد تصيب الجسم مسببةً نقصًا في إنتاج صبغة "الميلانين"، أو انعدامها في مناطق معينة من الجسم، كالبشرة، والشعر، والعيون، وهي واحدةٌ ممن يمكن أن تصادفهم صديقي القارئ في شارعٍ، أو مقهى، أو مدرسةٍ أو صف، دون أن تفكر في المعاناة التي يعيشونها يوميًا.

تقول ماجدة التي بدأت لتوها اختبارات الثانوية العامة: "12 عامًا مرت في حياتي المدرسية، مررتُ خلالها بالكثير من المواقف المحرجة، والمؤذية، لسببٍ أجهله! حتى أشقائي ووالدتي ووالدي ليسوا شبهي، أنا أختلف عن الجميع".

كانت هذه هي الحقيقة المؤلمة التي استيقظت عليها ماجدة في اليوم الأول لدخولها المدرسة، فهي بالنسبة لأقرانها "غريبة"، "ليست شقراء"، ولا "قبيحة"! هي جميلة لكنها بيضاء كالثلج، حتى شعرها أبيض! وكان السؤال الذي لطالما راودهم: لماذا لا تلعب معنا في ساحة المدرسة؟

كان هذا يؤلم ماجدة -حقيقةً- كان يوجعها أكثر من أي شيءٍ آخر، فهي لا تحتمل البقاء تحت الشمس أو في الفضاء العام، ولطالما وقعت أرضًا عندما كانت تحاول اختراق قوانين الطبيعة ومشاركتهم اللعب، "وهنا كنت ألاقي المزيد من السخرية، حتى أنهم كانوا يبتعدون عني في أغلب الأوقات" تعقب.

كان لوالدة ماجدة (أم عبد الله ) دور كبير في تخطيها كل المعيقات، ومساعدتها على تقبّل حالتها واختلافها عن الآخرين. تقول: "كنتُ دومًا معها، أُهوّن عليها حزنها حين تعود باكيةً من المدرسة. ذاتَ مرة حينما أبدت غضبها من اختلافها، طلبتُ منها أن تغمض كلتا عينيها لبعض الوقت، وأن تحضر لي شيئًا من المطبخ. بعد ذلك، تركتها تفتح عينيها، وسألتُها: أي الحالين أفضل؟ وكانت الإجابة: بالطبع ضعف النظر في الفضاء، أفضل بكثير من فقدان البصر بشكلٍ كامل".

منذ ذلك الحين بدأت ماجدة تتقبل حالتها، وما خفف عنها وطأة الحالة التي تعيشها زواج خالها بمصابةٍ بالمهاق، "هذا ساعدها على التعايش مع الأمر، وتقبله بشكلٍ تدريجي" تردف الأم.

وما لا تعرفه "ماجدة" ربما، أن والدتها ومع بداية كل عامٍ دراسي، تتجه إلى المدرسة، وتشرح لمدرسي ابنتها خصوصية وضعها بالكامل، وتترك بعض الجوائز -التي تحضرها بنفسها- لمنحها لطفلتها، ولأخريات في الفصل الدراسي، تشجيعًا ودعمًا لاستمرارهن.

ويعد الثالث عشر من يونيو/ حزيران من كل عام، اليوم العالمي للتوعية بمرض المهاق "الألبينو"، الذي أقرته الأمم المتحدة للتوعية بطبيعته، وسعيًا لدمج مرضاه في الحياة الطبيعية.

ومن اللافت في هذا الموضوع، أن عددًا كبيرًا من المصابين بهذا المرض لا يعترفون بأنهم مدرجون ضمن قائمة الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية الجزئية، لا سيما وأنهم مصنفون كـ"أعداء للشمس".

خلال عملية البحث، صادفَت "نوى" أكثر من حالة لم تعترف أصلًا بأنها مصابة بهذا الخلل الوراثي، الذي يؤثر فعليًا على حاسة البصر، ومنهم من رفض "صراحةً" الحديث حول الموضوع، وقال بملء فيه: "أنا؟! أنا لا أعاني من أية مشكلة! أنا أقضي نهاري بطوله تحت الشمس أصلًا".

وهذا الأمر، تؤكده نسمة الغولة منسقة مركز الإعاقة والدمج في الجامعة الإسلامية، ملفتةً إلى وجود طلبة في الجامعة مصنفين (ألبينو)، إلا أن عددًا كبيرًا منهم يرفضون الاعتراف بتصنيفه كشخص من ذوي الإعاقة البصرية "رغم أنهم يتلقون خدمات من المركز على هذا الأساس" تقول.

وتروي الغولة إحدى الحوادث التي مرّت عليها، حين طلبت والدة إحدى الطالبات "الألبينو" تلقّي خدمة توصيل بالباص لابنتها (باص مركز الإعاقة والدمج)، لكنها اشترطت أن ينتظر (الباص) بعيدًا عن المنزل عدة أمتار، خشيةً من نظرات وتمييز المحيط الاجتماعي، موضحةً أن هذه الشريحة مدرجة وفق قانون الجامعة ضمن الأشخاص من ذوي الإعاقة البصرية، ويتلقون خدمات مختلفة من الجامعة التي توفر لهم كل الأدوات المساعدة التي تتلاءم مع احتياجهم، "بما فيها جهاز تكبير الخط الذي يتم توفيره لكل الأشخاص من ذوي الإعاقة البصرية الجزئية".

تلفت الغولة إلى أن الوعي بهذا النوع من المرض الذي يسبب إعاقة بصرية جزئية، في أحد أشكاله يكاد يكون معدومًا، لا سيما وأن لهم لون وجه خاص، كما أنهم معرضون لتغير في لون بشرتهم وشعرهم حسب التعرض للشمس، مؤكدةً أهمية التوعية بهذه المشكلة الخلقية، وكيفية التعامل معها، واحتياجات المصابين بها.

ولا يوجد في قطاع غزة أي مؤسسة مخصصة لمصابي المهق بشكلٍ خاص، ما يعني أن التوعية بهذا المرض تكاد تكون معدومة مجتمعيًا، حتى أن البعض يخلط بين "المهق والبهاق"، رغم الاختلاف المطلق بينهما.

ويعرف د.عامر المصري أخصائي الأمراض الجلدية "المهق"، بأنه مرض جيني يولد به الإنسان بسبب، نقصٍ في صبغة الميلانين يصيب الجلد والشعر والعيون، موضحًا أن وظائف الميلانين الأكثر أهمية تتلخص في حماية الجلد من الأشعة فوق البنفسجية، وإكمال وظائف أعصاب العيون، "ما يعني أن المصابين بالمهق، تصبح لديهم مضاعفات للمرض بسبب التعرض للشمس، ومنها الحروق، والشامات، والنمش، والوحمات، وكلها يمكن أن تؤدي في نهاية الأمر إلى سرطان الجلد" يقول.

وفيما يخص العيون، يحدث لدى مرضى "المهق" ضعفٌ في الإبصار، وقد يؤدي إلى رُهاب الضوء، كما يمكن أن يأتي متلازمًا بنقصٍ في السمع، وضعفٍ في المناعة.

ونبه المصري إلى أهمية التوعية بهذا المرض، "وأن يكون المريض وعائلته على دراية كاملة بمحاذير واحتياجات الإصابة به، ومنها عدم التعرض للشمس، وارتداء ملابس كاملة تغطي الجلد، واستخدام النظارات الشمسية، وواقي شمس مناسب، وعدم التعرض للشمس إلا للضرورة، وبعد اتخاذ الاحتياطات اللازمة" يختم.

اخبار ذات صلة