شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 08 اعسطس 2022م17:24 بتوقيت القدس

فداء أبو حمدية و"الطبخ" كفعلٍ مقاوم!

12 يونيو 2022 - 14:01

الخليل | نوى:

من مطبخ والدتها المقدسيّة بدأت الحكاية. هناك فتحت فداء أبو حمدية عينيها على مكونات البيئة الفلسطينية النقية، ومذاقات المائدة التراثية التي تفسّر في جزءٍ صغير منها، تلك العلاقة الوطيدة بين الفلسطينيين وأرضهم!

من زاوية المشهد الذي يُصدّر من فلسطين إلى الخارج. من بين أنّات المكلومين، ودموع الثكالى، اختارت الشابة طريقًا مختلفًا تخبر فيه العالم كله بأن هناك أرضًا محتلة، لها تاريخها الذي تتناقله الأجيال حتى في المطبخ! وأطباقٌ عُرف بها أهلها منذ الأزل تُسرق من قبل احتلالٍ يحاول صنع تاريخٍ لا أصل له ولا جذور.

وتحت عنوان "الطبخ وسيلة تواصل، وأداة مقاومة"، سلكت الفلسطينية فداء أبو حمدية طريقها بصنع الطعام بين فلسطين وإيطاليا منذ سنوات، إلى أن صارت معلمةً تدرِّسُ الطهي في إحدى الكليات الجامعية بمدينة الخليل.

المسيرة انطلقت من القدس، وامتدت في طريق الشغف إلى إيطاليا، حيث كان الهدف الأول: نشر ثقافة الطعام الفلسطيني هناك.

تقول لـ"نوى": "في الطبخ يثبت الفلسطيني وجوده ويقاوم، فأكلات البلاد هذه تحكي قصة احتلالها، ولكل أكلة قصة أبطالها فلاحو الأرض الذين نُهبت أراضيهم وطُرِدوا منها، ودمرت أشجارهم، وكل تفاصيل عيشهم".

وتضيف: "لا أكف عن التحدث للناس عن أصل أي طبقٍ أصنعه وأمجاده. أستخدم السماق فأروح بهم إلى أشجاره في أراضينا، وأستخدم الزيت فأروي حكاية الزيتون، وأذهب إلى البصل فأقص حكاية المسخن، وبالطبع لا أنسى خبز الطابون ونكهة صنعه على الحطب". 

وبالمقلوبة تنتزع فداء الحواس، وتجذب الانتباه. تأخذ خيالهم إلى واقع أيام الجمعة حين تجتمع العائلة أمام "الطنجرة" لالتقاط صورها قبل نشرها على مواقع التواصل، حيث رائحتها تكاد تقفز من الشاشات مع الدخان المنبعث من الأرز واللحم الذائب فيه.

وترى فداء أنها طريقتها في الحديث عن فلسطين مجدية أكثر، فهي تجعل الاسم حيّا في قلوب كل من يتابعها. تعقب: "لا أحد يتخيل عيش الفلسطينيين تحت الاحتلال، ولا أحد سيدرك معنى كلمة "حاجز" سوى من عاش معيقاته اليومية".

بينما تقدم فداء طبقًا فلسطينيًا هنا أو هناك، تتحدث عن "الحواجز" التي تعد من أهم تفاصيل الحياة "القاتلة" على يد الاحتلال. وتحكي عن طفولتها التي عاشتها بين المستوطنات في حارة "أبو اسنينة" بالخليل، وما تذكره من مشاهد مجزرة الحرم الإبراهيمي التي كانت شاهدةً عليها يوم الخامس عشر من شباط/فبراير عام 1994م، وتخبرهم كيف لا تغيب عن ذاكرتها مشاهد الناس المضرجة بالدم، وكيف أن ذكرى كهذه عندما تعشش في عقل طفلة، تكون كبيرة، ومؤلمة، وقاسية".

إلى مطبخها تهرب فداء من برود الحياة، هناك ملجأها الآمن هكذا تصفه، وتحاول صنع شيءٍ يمكن لمن يتنشق رائحته استشعار عذابات أهله تحت براثن المحتل. لقد ساهمت في تأليف كتاب يحكي عن "طبخ فلسطين" باللغة الإيطالية، وتحدثت فيه عن رحلة بدأت من الخليل إلى جنين.

عن أقرب الأطباق إلى قلبها، تحب فداء صنع المنسف المجبول بالجميد البلدي، واللحم، والسمن، "ربما لأني خليلية" تجيب مبتسمة، فالمعروف عن أهالي مدينة الخليل حبّهم لهذه الأكلة التي يقدمونها في الأفراح والأتراح.

يعج مطبخ فداء بالفرح وضحكات طفلتها "جوليا أماني"، التي تركض خلف أمها بكل خطوةٍ تخطوها. تساعدُها وتبهجها بمحاولاتٍ بسيطة بفعل تراه "مقاومًا" ينتصر لفلسطين ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.