شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 06 اكتوبر 2022م06:30 بتوقيت القدس

استشهد الحلم.. وكان الخبرُ "غُفران"!

02 يونيو 2022 - 14:11

الخليل:

بِمَ يواسونها وهي التي تنظر بعيون جاحظةٍ مفجوعة إلى جسد ابنتها المسجّى على سرير المستشفى مضرجًا بالدماء، باردًا لا روح فيه ولا نبض؟

صباح الأربعاء، كانت الصحفية غفران وراسنة (31 عامًا) من مخيم العروب بمدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، في طريقها إلى عملها في إذاعة "دريم" الذي تسلّمته قبل عدّة أيام، إلا أن الطريق عند مدخل المخيم انتهت..

جنديٌ إسرائيليٌ قرر قتل ذلك الحلم الصغير. هكذا ودون أي مبررٍ أطلق نحوها رصاصة! أو لنقل إن كونها فلسطينية جعل السبب موجودًا بالنسبة لشخصٍ جاء من شتات الدنيا ليحتلَّ أرضًا، ويقتل صاحبتها، وهكذا بكلِّ برود.

والدة غُفران مريم محيسن، تقف حتى اللحظة غير مصدقة لما حدث. بل لعلها لم تكن تسمع تلك الهتافات التي تصدح من حولها، والتكبيرات التي كانت تنعى ابنتها "شهيدة".. كانت تكذّبٌ آذانها وهي تسمع نحيب أبنائها الشّبان، وتمتمات السيدات اللاتي كُنّ يعانقن وجعها، ويسألن الله لها الصبر وحُسن العزاء.

إذن بالفعل، هذا الجسد الضئيل الذي يسبح بالدم هو لغفران! ابنتها التي ألقت عليها تحية الصباح قبل أقل من نصف ساعةٍ وغادرَت البيت صوب عملها الجديد كـ"مذيعة"، ذلك الحلم الذي لطالما راودها، ولمّا تحققّ.. لم يكتمل!

انتشلت مريم نفسها من دوامة الصدمة بصعوبة، وتحدثت إلى الصحفيين عن ابنتها التي تخرجت عام 2014م من قسم الصحافة الإعلام في جامعة الخليل، لتعمل منذ ذلك الحين بشكّل متقطع في عدة إذاعات محلية. تقول بصوتٍ يرتجف: "كانت غفران تطمح لأن تصبح مراسلة ميدانية توصل صوت شعبها، وما يعيشه في فلسطين تمامًا كما كانت تفعل شيرين أبو عاقلة، وغيرها كما المراسلات".

تواصل الحديث ودمعها يسبقها: "قبل أيامٍ فقط عملت في إذاعة دريم. غابت أمس بسبب ألمٍ في معدتها، لكنها اليوم استيقظت، وتجهّزت، ثم جاءت وألقت عليَّ تحية الصباح وأنا أسقي الزرع، ثم غادرت البيت".

لا تدري الأم ما حدث مع ابنتها، لكنها تلقّت خبر استشهادها من الناس، "وأيُّ خبرٍ هذا الذي يمكن أن تصدقه أم؟ لقد كانت لتوها هنا، وألقت عليَّ التحية! أبهذه البساطة تغادرني؟" تتساءل بصوتٍ يرتجف، وتكمل: "هذه ليست جريمة ضد ابنتي فقط إنها ضد كل من هو فلسطيني، يحاربون الصغير والكبير لا رحمة في قلوبهم".

في ساحة المستشفى حيث وقف العشرات من شهود العيان يكيلون اللعنات على الاحتلال وجرائمه، يروي الشاب أحمد الحلايقة ما حدث: "كنت في السابعة والنصف كالعادة أركب السيارة متوجهًا إلى مكان عملي، وكان الوضع طبيعيًا جدًا، لكن عند مروري قرب مدخل المخيم، سمعتُ صوت عيارٍ ناريٍ ثم رأيتُ فتاةً انقلبت على وجهها فورًا".

ويضيف الشاب الحلايقة: "الجندي أطلق النار هكذا دون أي سبب، بل إنه فورًا استنفر وصرخ في وجوه الناس، ومَنَع أي شخصٍ من الاقتراب لإنقاذها. لم تفعل الفتاة شيئًا هو فقط أراد قتلها".

شاهد عيان آخر يُدعى يوسف وراسنة بدا مصدومًا وهو يروي ما حدث: "بعد إطلاق النار توجهتُ كما باقي الناس نحو الفتاة، ولما قلّبتُ في أوراقها اكتشفتُ أنها من أبناء عمومتي".

وبسخط قال الرجل: "فتاة وسط عشرة جنود ماذا يمكن أن تفعل؟ هم لم يقتلوها فقط، بل اعتدوا علينا عندما اقتربنا منها، وأبعدوا الشبان ولحقونا بالرصاص، وبقينا هكذا حتى وصل الإسعاف"، مؤكدًا أن الجنود منعوا الإسعاف في البداية من المرور، لكنهم بعد ذلك تركوه يقترب.

أما خالها خليل محيسن، الذي حاول استجماع قواه وهو يتحدث عن المنطقة التي حدثت فيها الجريمة فقال: "هذه المنطقة هي مدخل مخيم العروب، وهي منطقة تجمّع للناس الذين يخرجون من المخيم ويدخلون إليه، وكثيرًا ما تحدث فيها احتكاكات بين المواطنين الفلسطينيين وجنود الاحتلال".

ويروي محيسن أن طفلًا يبلغ من العمر سبع سنوات أصيب قبل يومين في ذات المنطقة برصاصة في عينه، وفقد بصَره على الفور، "إن جنود الاحتلال لو أرادوا إصابة غفران فقط لفعلوا، لكنهم قصدوا قتلها لمجرد القتل" يختم.

ونفى محيسن ادعاءات الاحتلال بأنها كانت تحمل سكينًا، فمقاطع الفيديو واضحة، "بل إن الجندي الذي قتلها كان داخل "كابينة" وهي خارج المكان كله، وبعد إطلاق النار عليها تركها تنزف لثلث ساعة، وأطلق النار صوب ضباط الإسعاف الذين حضروا إلى المكان لنقل جثمانها".

لم تتوقف اعتداءات الاحتلال على غفران عند جريمة قتلها، بل إن جنوده لاحقوا جثمانها وهو يسير نحو مثواه الأخير. عشرات الجنود اعتدوا بالضرب على المشيّعين تمامًا كما حدث عند تشييع الشهيدة شيرين أبو عاقلة. وكأن الاعتداء على جنازات الشهداء بات فعلًا ملازمًا يمارسه الاحتلال دون مواربةٍ أو خجل، ولا إقامة وزن للمجتمع الدولي الذي يغضُّ الطرف عن جرائمه بحق الشعب الفلسطيني.

غفران، كان يفترض أن تنطلق اليوم بأولى نشراتها الإخبارية كمذيعة للأخبار والبرامج في راديو دريم، لكن الاحتلال جعل منها الخبر الأول في كل وسائل الإعلام، وقبل أن تقبض بيدها على ميكروفون الاستوديو قبضت يدها على كومةٍ من الرمل ماتَت وهي تضمُّها بين أصابعها.

وبذلك يكون الاحتلال الإسرائيلي قتل منذ بداية العام الجاري 62 فلسطينيًا، بينهم خمس نساء، وخمسة أطفال.

كاريكاتـــــير