شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 17 اعسطس 2022م19:30 بتوقيت القدس

غيث يامن.. عريس نابلس الصغير

"إذا متت لا تبكوا" وصية طفلٍ من فلسطين.. استُشهد!

26 مايو 2022 - 17:15

شبكة نوى، فلسطينيات: "إذا متُّ لا تضعوني في ثلاجة الموتى، فأنا لا أحب البرد. واختاروا لي قبرًا بجواره أطفال كي لا أبقى وحدي.." كما الغصة نقرأها ونضغط بأيدينا على أفواهنا بقوّة: "يا الله، ما الذي يدفع طفلًا كي يكتب وصيّته؟ ما الذي يجعله يفكّر في الموت، وهو الذي يُفترضُ أنه لم يرَ من الحياة بعد إلا "كرةً وصديقًا؟" تأخذك التنهيدة بعيدًا وأنت تلمح طرف الإجابة: "كتب وصيته لأنه يعيش في فلسطين.. كلنا نكتب وصايانا يوميًا هنا قبل أن ننام، وكلنا نعلم أننا مشاريع شهداء تحت نيران القصف وأزيز الرصاص".

الطفل غيث يامن (16 عامًا) غاب شهيدًا بعد أن خطّ تلك الكلمات على صفحته الشخصية في "إنستجرام"، فصارت وجهة النشطاء الذين صدّروها كدليلٍ على ما يعيشه أطفال فلسطين في ظل التوحّش الإسرائيلي الذي يغيّب أبسط أحلامهم.. "أن لا يموتوا برصاصة"! كتب غيث وصيته وكأنه كان يعلم أنه راحلٌ لا محالة في ظل استهداف الاحتلال للأطفال، والفتية، والمدنيين بلا رادع. كتبها مبتسمًا دون أن يعتقد للحظة أن رسالته تلك ستبقى الذكرى الأخيرة "والغصة" المُرّة في قلب كل طفلٍ يعرفه.

على مدخل مستشفى "رفيديا" في نابلس، جلس عشرات الفتية من زملاء وأصدقاء غيث، في حالة صدمة. عيونهم تحلق هناك، حيث وُضع غيث رغمًا عن الجميع في ثلاجة الموتى التي يكره، حتى يحين موعد تشييعه. كلهم بكوا "فقده"، وكلهم جابت في عقولهم فكرة "الوصية"، سيكتبون أحلامهم لمستقبلٍ يرون أنفسهم فيه كغيث.. هنا في ثلاجةٍ باردةٍ مُظلمة، لا يستطيعون ردّ النداء، "فمن يدري من يكون التالي؟" يتساءل أحدهم.

واستشهد غيث فجر أمس الأربعاء 25/أيار الجاري، بعد إصابته برصاصةٍ في الرأس أثناء تأمين جيش الاحتلال مسيرة اقتحام المستوطنين لقبر يوسف.  عن موته، وعن تفاصيل ما بعد الموت، كتَب. وسأل من يحبونه إذا مات أن لا يتركونه وحيدًا، وأن يزوروا قبره باستمرار. وصيتهُ أوجعت القلوب، وفجّرت الدموع في مقل الأحبة.. أولئك الذين لم يتمكّنوا من تنفيذ الوصية: "إذا متت لا تبكوا علي".

والد غيث تساءل في تصريحات صحفية: "كيف فجروا رأسه بهذه الطريقة؟ كيف أرجعوه إلى حضني أشلاءً؟ كيف أعدموه بهذا البرود، وهو الذي لا يشكل على جبروتهم ضررًا أو خطر؟"، ثم قال بصوتٍ يرتجف وجعًا: "هذا كيان مغتصب، وعنصري، يستهدف المواطنين العزل بأسلحة محرمة دوليًا. لقد أصبح كل طفل يحمل حجرًا أو لا يحمل، هدفًا لهم".

يقاوم أحد أصدقاء غيث دموعه، ويقول: "ليته انتظر، كنا سنخرج معًا، ونقضي وقتًا ممتعًا"، ثم يكمل عنه الحديث صديقٌ آخر: "كان يذكر الشهادة كثيرًا حتى ظننا أنه ينتظرها. لقد تأثر كثيرًا باستشهاد أدهم مبروكة، وإبراهيم النابلسي، ومحمد الدخيل في نابلس بعد عملية اغتيال"، ليمسك الدفة ثالثٌ ويزيد: "كنا سوية على أحد الأسطح عندما أصابته رصاصة في رأسه. كنا في شارعٍ داخلي، ولم نكن في الشارع الرئيسي القريب من قبر يوسف".

داخل منزله احتشدت مئات النسوة لوداع شهيد نابلس و"عريسها الصغير"، وبينما كانت والدته تغالب دموعها، كانت تطالب النساء بألا يبكين تنفيذًا لوصية فلذة كبدها الشهيد.

شقيقته التي ودعته بالزغاريد، تمنّت لو يعود للحظة، كي تودّعه وداعًا يليق بما تمنّى. "كان الأقرب، والأكثر حنانًا واهتمامًا بي.. كسرني رحيلك يا غيث" تقول بصوتٍ تخنقه العبرة.

غيث فتى فلسطيني، كان يفترض أن يكتب عن أحلامه، وعن مستقبلٍ ينتظره كطبيبٍ أو مهندسٍ أو طيّار، أو عالم، أو حتى لاعب كرة، أو أن ينشر مقاطع من ألعاب رياضية، أو إلكترونية، لكن غيث وربما مثله غالبية أطفال فلسطين كان يتصوّر المستقبل بطريقةٍ مختلفة، موجعة، بل قاتلة. صورة الموت هنا لا تكاد تفارق عقولهم، فتدفعهم إلى كتابة "الوصايا" التي تأتي غالبًا في وقتها.. قبل أن تتحقق النبوءة، ويغيب صاحبها برصاصة حقدٍ، أو تحت كومة حديدٍ كانت يومًا بيته وأمانه.

لم ينس غيث أن يخبر والدته في الوصية عن مكان "سواره" الذي يحب، موصيًا بعدم التفريط بها أو إضاعتها، وطلب الإبقاء على حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي مفتوحة، "حتى لا ينساني أحد".

لن ينساك أحد يا غيث، اطمئن، فقد خرجت نابلس كبيرها وصغيرها لوداعٍ يليق بطفولتك التي انتهكت حرمتها رصاصة، ضربت بعرض الحائط كل الاتفاقيات الدولية، والمعاهدات الإنسانية، ووضعت نصب عينيها المدنيين من أطفالٍ ونساء أهدافًا استراتيجية لتشكيل خريطة الدولة العنصرية المزعومة.