شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 02 يوليو 2022م16:42 بتوقيت القدس

معرضٌ يُجسّد "رُكام الحزن" في قلب زينب الكولك

25 مايو 2022 - 21:43

شبكة نوى، فلسطينيات: تمام الواحدة من فجر السادس عشر من مايو الذي مضى. كل شيءٍ غدا أسودًا قاتمًا إلا بذرة الأمل التي كانت تناجي الله تحت أعمدة الخرسانة التي ابتلعتها الأرض. زينب الكولك بقيت هناك وحيدةً تصرخ بصوتٍ كتمتهُ أصوات الصواريخ التي لم تتوقف آنذاك. مكثت هناك تقاوم فكرة "النهاية" 12 ساعة، فنَجَت.. وفتحت عيونها على صوت الفرح الذي كان يزين حياتها يحتضر! كأنما وحشٌ ابتلع عائلتها، وتركَ في قلبها ركام حزنٍ لا يمكنُ أن تزيلهُ الأيام.

عامٌ مضى على تاريخ المجزرة! اختزلت زينب بريشتها وألوانها تفاصيل الفقد في تسع لوحاتٍ عُرضت أمس في مقر المرصد الأورو متوسطي لحقوق الإنسان، بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة بمدينة غزة. لقد وضعت الشابة (22 عامًا) تحت كل لوحةٍ نصًا يشرح محتواها، وكل الحروف كانت تقطر دمعًا.

تقول لـ"نوى": "مر عام، وصوت القصف لم يتوقف في رأسي، أسمعه في صحوي ومنامي، وأرى ركامًا في قلبي لا أستطيع إزالته. أشعر أن قلبي رحل مع من رحلوا. هو أبدًا ليس هنا".

وفقدت زينب في العدوان الأخير 22 فردًا من أفراد عائلتها، بينهم والدتها وثلاثة من أشقائها، وهو ما جسدته في لوحةٍ كانت تضم 22 كفنًا متلاصقًا. كل واحدٍ من بينها يتناسب وعمر من لُحد فيه! للفتاة ذكرى مع كل واحدٍ هنا، وحكايات لا يمكن أن تغيب معهم في غياهب الموت. تعقّب بالقول: "كنت كلما انتهيت من رسم كفن أحدهم ودعته، هم ليسوا مجرد أكفان فارغة، هم 22 روحًا غادرت حياتي في لحظة".

إلى جانب لوحةٍ جسّدت زوايا البيت المدمّر كتبت زينب "كنتُ أراجع هذا الوقت ثانية بثانية. أرسم اللوحة وأسمع في أذني صوت المسعف وهو يسألني عن مكاني. تحت الركام شعرتُ أنني أختنق، وكنت ألتفت بوجهي بحثًا عن رائحة التراب التي سدّت أنفاسي، حتى أنني نظرت إلى الأرض، وتخيلتها تهوي من تحتي. تشبثتُ بهاتفي، ووضعت رقم المسعف أمامي تحسبًا لأي طارئ. أراني في ظلمةٍ حالكة وألم شديد، في جروحٍ غائرة. أراني أفقد صوابي وأنا أبتلع التراب، وأحاول البحث عن الهواء.. أنا صدقًا أحاول حتى اللحظة".

في لوحةٍ ثانيةٍ لرأسها المنشطر إلى نصفين، تفشل كل المحاولات لردم الصدع الذي أصابه. لقد بقي الركام، والأنقاض، والصراخ، والهلع، راسخين في الذاكرة التي تخذل صاحبتها في كل محاولات النسيان. كل تلك الأشياء آخذةٌ بالاتساع مع مرور الوقت. تختم زينب نصها الشارح بقوله: "ربما أزالوا الركام عن جسدي، لكن من سيزيله من داخلي؟".

رسمت زينب بالدموع والألوان في آنٍ معًا، لوحاتٍ تجسد تجربةً مُروعة عايشتهافي عنفوان شبابها. أكثر اللوحات قسوةً بين لوحاتها التسعة –وفق تصنيفها- كانت لصورةٍ جمعت أفراد أسرتها الصغيرة في يوم تخرج شقيقها الأكبر، رسمهتم لكنها فرغت الملابس من أصحابها. تعلق: "أنا حقًا صرت أخشى رؤية الملابس المعلقة! أحب أن أرى أصحابها يرتدونها ويتألقون بها ضاحكين فقط".

وفي زاويةٍ أخرى، استقرت لوحةً لا يمكن للكلمات أن تصف حجم الوجع فيها! لقد رسمت زينب نفسها في يوم تخرجها القريب من الجامعة، كانت ترتدي ثوب التخرج بينما هي جثة كمن وارتهم القبور من أحبابها وأبناء عائلتها. "فأنا لم أنجُ كما يُهيّأ للبعض، روحي دفنت تحت أنقاض منزلي الذي دمره المحتل فوق رؤوس ضحكاتنا" تزيد.

تقول: "بعد تخرجي مباشرة، ذهبت إلى المقبرة لأحكي لعائلتي أنني تخرجت كما كنت قد وعدتهم، بعد أن ضاقت علي الأرض بما رحبت. لم أتخيل أن هذا يمكن أن يحدث معي أبدًا، في المقبرة عائلتي، وروحي التي رجلت في نفس تاريخ الرماد ذاك. زينب اليوم ليست أبدًا زينب قبل السادس عشر من مايو العدوان".

12 شهرًا مرّت بالتمام والكمال، لكن زينب ما زالت تنتظر أن تفتح عينيها يومًا على قُبلةٍ من أمها، أو حضنٍ من أختها هناء! ما زالت تفتقد ضحكات أحمد، وقهوة طاهر، وهذا ما جسّدته في لوحةٍ رسمت فيها وجه حائر.

تقف زينب بين لوحاتها التي يمكن للمار بينها تنسُّم رائحة الموت والدم والردم، تمعن النظر في تفاصيل وجعها، وتألَمُ كما لو كانت تراها لأول مرة. إنها تؤكد أن إطلاق المعرض ما هو إلا "رسالة" للعالم كي يرى وحشية النار التي ترسلها طائرات الاحتلال من السماء فوق رؤوس الآمنين هنا، وهو نداءٌ لكل ذي قلب: "خذوا حق العزّل، ولا تجعلوا المجرم يفلت من العقاب كما كل مرة".

 

كاريكاتـــــير