شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 02 يوليو 2022م17:28 بتوقيت القدس

"خشيتُ أن أغمض عيني فلا أفتحها"..

عن "الموت" في عين "طفلة" استُخدمت كدرعٍ بشريٍ بجنين

25 مايو 2022 - 08:05

شبكة نوى، فلسطينيات: "ساعتان في انتظار الموت. كانوا يطلقون النار من كل مكان حولي. بجانبي، ومن فوق رأسي. كنتُ أظنُّ أنني إذا أغمضتُ جفني لن أفتحهُ ثانيةً، ولم أعتقد للحظةٍ واحدة أنني سأخرج بعد هذا كله حية"، تقول الطفلة عهد الدبعي بصوتٍ يرتجف.

فتاةٌ بعمر ستة عشر عامًا استخدمت درعًا بشريًا في مقدمة مركبةٍ عسكريةٍ إسرائيلية أثناء اقتحامٍ لمدينة جنين في الثالث عشر من مايو/ آيار الجاري. المشهد صادمٌ بكل تفاصيله. ذلك الوقت المستقطع من حياة "عهد" حُفر في صميم الذاكرة. لا هي ستنساه ولا جنين..

شهادة عهد المفصلة، نشرتها منظمة "الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال- فرع فلسطين"، أول أمس، وقالت فيها: "اعتدنا على كل أشكال الانتهاكات التي يمارسها جنود الاحتلال بحقنا في المخيم، لكن مثل هذه الوحشية لم أرَ من قبل".

وتضيف وهي تسترجع تلك الدقائق "المُرّة" التي مرت عليها كدهر: "كان صوت ارتطام الرصاص في هيكل الجيب العسكري وفي كل مكان حولي يثير للرعب. في نفس الوقت كنتُ أشاهد منزلي وهو يحترق من آثار القذائف التي أطلقها الجنود نحوه. كنتُ أظن

ما جعل الأمر يبدو أكثر قتامة وصعوبة على عهد، أنها كانت تشاهد منزلها وهو يحترق من آثار القذائف التي يطلقها الجنود نحوه، وكل ظنها أن عائلتها بداخله. تعقب: "لم أكن أعرف أن جميع أفراد عائلتي، وأعمامي غادروا المنزل. لم أكن أعرف من منا سيبقى على قيد الحياة ليروي هذه التجربة القاسية".

تفاصيل موجعة تكشف بوضوح وجه الاحتلال القبيح، ترويها عهد وهي لا تزال تحت تأثير الصدمة: "استيقظنا يومها على صوت عناصر من جيش الاحتلال، وأصوات انفجارات. كانوا ينادون بالمكبرات على شقيقي محمود كي يُسلّم نفسه فخرجنا جميعًا، أنا، وأمي، وأبي، وإخوتي الصغار".

فيما بعد فتّش الجنود والد الفتاة وكبّلوه، ثم طلب أحدهم من والدة عهد اصطحاب أبنائها إلى نهاية الشارع المحاذي للمنزل، أي على مسافة حوالي 100 متر. تتابع عهد روايتها فتقول: "عندما وصلنا إلى هناك، وجدنا جيبًا عسكريًا إسرائيليًا طلب منا من فيه الجلوس أرضًا أمام أحد المنازل القريبة. جميعنا شعرنا بالخوف الشديد، وأخويَّ لم يتوقفا عن البكاء طوال الوقت بسبب أصوات الرصاص المتواصلة".

وتزيد: "طلبت أمي من الجنود أن نتحرك بعيدًا عن صوت الرصاص لكنهم وعلى مدار نصف ساعة كاملة لم يكونوا يعيروا حديثها أي اهتمام. فيما بعد جاء أحد الجنود، وأنزلنا أسفل المنزل، جلسنا على الدرج، وهناك أيضاً لم يكن الأمر أحسن حالًا، إخوتي في حالة هلع، يبكون من شدة الخوف، وبرغم خوفي الشديد كنت أحاول تهدئتهم عبثًا".

في وقتٍ لا حق، جاء جيب عسكري واصطحب والدة عهد إلى حيث كانوا يجزمون بأن ابنها موجود، لعلها تقنعه بتسليم نفسه، فبقيت عهد وحيدةً حتى جاء جنديٌ فأخذها إلى الشارع، وأوقفوها إلى جانب الجيب والجنود بداخله، ثم بدأ إطلاق نارٍ متبادل في المكان. تشرح: "كنت كلما حاولتُ الجلوس لأحمي نفسي، أو أنزل رأسي إلى الأسفل يصرخون في وجهي ويشتمونني. قال لي أحدهم: لا تنزلي رأسك يا إرهابية، وجهزي نفسك لتودعي شقيقك".

كان قلب عهد يكاد ينخلع من جسدها وهي عاجزة عن فعل أي شيء. تختم شهادتها وهي بالكاد تستطيع جمع الكلمات مع بعضها البعض: "انتظرتُ حتى انشغل الجنود عني بقصف المنزل فهربتُ باتجاه شجرةٍ مجاورة، واختبأتُ خلفها. رأيتهم يُشيرون إلى بأن أعود لكنني تجاهلتهم. لقد سيطر عليَّ الخوف حينذاك، واستمريت بالمشي حتى وصلتُ بيتًا مجاورًا وبقيتُ فيه حتى انسحب الجيش".

استجمعت الفتاة قوتها وعادت إلى بيتها لا تعلم إذا كانت ستجد أحدًا فيه حيًا أم لا، لكنها بمجرد أن لمحت الجميع بخير غابت عن الوعي بانهيارٍ عصبي، ونقصٍ في الأكسجين.

ساعتان من عمر عهد لن تسقطهما من تاريخ ذاكرتها ما بقيَت حيّة. لقد رأت "الموت" وجاهية، وهي التي كانت بالأمس تمشّط شعر عروستها. طفلةٌ كمثل كل أطفال فلسطين، إن طُلب منها أن تحكي أبسط أحلامها لقالت: "أن لا أموت برصاصة".

كاريكاتـــــير