شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 02 يوليو 2022م16:47 بتوقيت القدس

من قعر "القهر" يُطلِق الحاج "انشاصي" تنهيدة ويذكرُ "حمامة"

19 مايو 2022 - 10:23

شبكة نوى، فلسطينيات: "أمام ضياع الوطن لا توجد مصيبة"، يقول الثمانيني أبو أسامة انشاصي بعد عمرٍ قضاه بين أمواج الحياة تتخبطه الخطوب. يطلقُ تنهيدةً من قعر القهر، و"آهًا" تختصر وجع 74 عامًا مضت من عمر نكبة فلسطين و"شعبها الصامد".

ولد أبو أسامة في بلدة "حمامة"، وعاش أجمل أعوام طفولته فيها، ما زالت ذاكرته تحتفظ بالكثير من الذكريات، التي امتزجت فيها مشاعر الحنين، بوجع التهجير القسري، والشوق لاحتضان أرض الأب والأجداد، تلك التي لم ينسَها على مر السنين.

يشرد الحاج أبو أسامة ببصره، إلى هناك حيث كان طفلًا يشارك شقيقه الوحيد اللعب، والانتقال مع والده وأعمامه إلى شاطئ البحر للعمل في زراعة البطيخ خلال  شهور الصيف، قبل أن يبيعه والده حملًا على البغال في مدينة يافا.

يضيف: "لم نزرع البطيخ وحسب، كان والدي يزرع الخضروات مثل الكوسا والبامية، والفاكهة كالعنب. ما زلت أتحسس حلاوة بشائر طرحه الأول، الذي لم أتذوق بعده لذة".

ما زالت ذاكرة الحاج أبو أسامة تحتفظ بصورة المنزل الذي بناه والده من الحجر وسقفه بالباطون، في وقتٍ كانت فيه غالبية البيوت من الطين. حتى تفاصيل الدرج الخشبي الخارجي، ما زال مرسومًا بتفاصيله في رأسه.

كانت فلسطين تنجب "ثوارًا" و"فدائيين" بمعنى الكلمة، عبد القادر الحسيني على رأسهم، هؤلاء أخذوا على عاتقهم محاربة الإنجليز، ومن بعدهم الاحتلال.

يستغرب العجوز الثمانيني كيف لم يعد أحد يذكرهم، وهم الذين شكلوا النواة الأولى للثورة الفلسطينية ضد الاحتلال والانتداب.

صحيحٌ أن الحاج أبو أسامة وعائلته هاجروا قسرًا عام 1948م، لكن الهجرة من بلدة لأخرى بدأت قبل ذلك بشهور، فما يذكره جيدًا أن 15 عائلة من قرية "بيت داراس" استقبلتهم عائلته في منزلها قبل الهجرة بما يزيد على ستة أشهر.

يقول: "ما زلت أذكر كيف كان الناس يتناقلون الإشاعات عن مذابح ترتكبها عصابات يهودية في القرى الفلسطينية، ويا للأسف كان كبارنا على الفطرة، يصدقون أي كلام يقال".

يكمل بعد صمتٍ وجيز: "في ذاك اليوم المشؤوم خرجنا بملابسنا، وبعض المؤونة والأغطية لعلها تسترنا خلال الانتقال من مكان لآخر. تركنا كل شيءٍ خلفنا على أمل أن نعود بعد أيام، وبقينا نسير على الأقدام حتى وصلنا إلى مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة".

يصف المشهد الذي لم يُشفَ من وجعه أي فلسطيني حتى اليوم: "سيولٌ من البشر كانت تمشي أمامنا، أطفال ونساء وشيوخ ورجال منهم من يمشي على قدميه، ومنهم من يحمله حماره المنهك، وبعضهم كان متشبثًا بشاحنات وسط أخبارٍ عن مجازر متواصلة ترتكبها العصابات اليهودية".

يتابع: "ربما شاهدتم صورًا لتهجير المواطنين في سوريا؛ ما حدث في فلسطين قبل أربعة وسبعين عامًا كان أشد قسوة ولم توثقه الكاميرا، لكنه لا يمحى أبدًا من الذاكرة، لا نفتأ نذكره لأبنائنا وأحفادنا كي لا ننسى، ولا يتحقق حلم المحتل البغيض: الكبار يموتون والصغار ينسون".

يرى الرجل أن فقدان الوطن لا تشبهه مصيبة. "حتى فقدان الولد أو هدم المنزل، كل ذلك أقل وطأة على النفس من التهجير من الوطن"

يواصل رحلة الذاكرة إلى اليوم الأسود: "حينما وصلنا إلى خانيونس، وضعونا في المدارس قبل أن يوزعوا علينا الخيام التي كانت تختلف فيما بينها. منها ما كان يسمى الكوخ ويمنح للعائلات الكبيرة، ومنها ما كان يطلقون عليه اسم "الجرش" وكان يوزع على العائلات المتوسطة".

يذكر جيدًا كيف كانوا يصنعون "ردة" للخيمة كي يستروا عائلاتهم هناك، قبل أن تبدأ بعد سنوات عملية بناء الغرف الطينية للأسر النازحة، ووزعوها كذلك -وفقًا له- بين العائلات (غرفة أو غرفتين) حسب عدد أفرادها.

يتنهد بحسرة: "تغيرت حياتنا من النقيض إلى النقيض، بعد أن كنا نعيش حياة رغد. أصبحت حياتنا فقرًا وقلة حيلة، وأذكر أننا كنا نذهب إلى المدرسة حفاة، نحمل رغيفًا نشتري بنصفه الفلفل والجبجب، ونغمس بالنصف الآخر، أمل ملابسنا فكانت أشبه ببلاطين الموضة "الممزقة"، كان أفضلها يحمل رقعة أو رقعتين".

ويزيد الحاج بنبرةٍ اجتمع فيها الحسرة والحنين: "كان أهلنا على يقينٍ بالعودة القريبة، ما جعلهم يرفضون شراء أرضٍ أو منزل رغم أنهم كانوا يمتلكون المال. كان أبي وجدّي يقولون: بكرة راجعين، بعدو راجعين، وها قد مضى العمر وما زال اليقين بالعودة يملأ كياني، فأن أحمل حفنة من تراب حمامة أغلى من الدنيا وما فيها".

يختم ببيت شعر لأحمد شوقي يردده كل حين على مسمع أبنائه وأحفاده: "وطني لو شغلت بالخلد عنه، بالخلد نازعتني إليه في الخلد نفسي".

كاريكاتـــــير