شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 02 يوليو 2022م17:47 بتوقيت القدس

توفّي في الثاني عشر من أيار الجاري..

فيصل حوراني خالد الذِّكر في "دروب المنفى"

19 مايو 2022 - 09:55

جنيف:

من قرية المسمية المهجّرة إلى العاصمة السويسرية جنيف، رحلة لجوء أمضى خلالها الكاتب والمفكّر الفلسطيني فيصل حوراني حياته متنقلًا في دروب التهجير، ليسلّم الروح عن عُمرٍ ناهزَ 83 عامًا قدّم خلالها للمكتبة العربية والفلسطينية جواهر الفكر والأدب، ليرحل وقد حقق أحلامه كلها إلا ذلك "الرجاء" الكبير الذي لم يفارقه عمرًا بأكمله.

صبيحة الثاني عشر من مايو/ أيار 2022، وبينما انشغل العالم بحادثة اغتيال الاحتلال الإسرائيلي للصحفية شيرين أبو عاقلة، انتقى القدر رمزًا وطنيًا عايش كل مراحل الكفاح الوطني الفلسطيني. الكاتب الروائي والمفكر السياسي فيصل حوراني، رحل عن عالمنا في العاصمة السويسرية جنيف ليترك بصمته محفورةً في صخور "المنفى" كما كان يصف غُربته.

على مدار عمله النضالي والأدبي الممتد منذ أوائل شبابه حين عمل في الصحافة، مرورًا بإصدار أولى رواياته "المحاصرون" عام 1973م، حتى نشره لرواية "باولا وأنا" هذا العام، واكبت تجربته تطور الفكر السياسي الفلسطيني، لكن خُماسيته الروائية "دروب المنفى" تبقى أهم إبداعاته إذ جاءت على شكل سيرةٍ ذاتية، تروي تطور الحياة السياسية للشعب الفلسطيني منذ ثلاثينات القرن الماضي.

وُلد حوراني في قرية "المسمية" الصغيرة قضاء غزة في مارس/آذار من عام 1939م، أي قبل النكبة بتسع سنوات، ليجرب مرارة اللجوء بعد النكبة عام 1948م مع عائلته حين هربوا من جرائم العصابات الصهيونية إلى مخيمات اللاجئين في قطاع غزة.

ومن لجوء غزة إلى لجوء دمشق، حيث انتقل إلى مخيماتها، وهناك تلقّى تعليمه، وعمل في التدريس، حيث تزوج وأنجب بناته الثلاثة لمى ولينا وليلى.

انتقل إلى الجزائر ليعمل في الصحافة مدة عام واحد، وسرعان ما عاد إلى دمشق ليعمل محررًا لصحيفة البعث، ومعدًا وكاتبًا لبرامج إذاعة وتلفزيون سوريا بعد انضمامه إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، ثم رئيسًا لتحرير مجلة الطلائع، وعضوًا لهيئة تحرير مجلة صوت فلسطين.

عمل لاحقًا نائبًا لممثل منظمة التحرير في موسكو، ثم عاد إلى دمشق، وترأس الدائرة الإعلامية في منظمة التحرير، ثم عمل في مركز الأبحاث في بيروت، وتولى رئاسة تحرير دوريّتها (شؤون فلسطينية)، لينتقل بعد حرب 1982م إلى نيقوسيا، ثم عُيِّن عضوًا في المجلس الوطني الفلسطيني وباتحاد الكتاب الفلسطينيين.

كان حوارني مفكرًا سياسيًا بارعًا، وكاتبًا روائيًا مزج بين الرواية والفكر السياسي حيث عُدّت رواياته بمثابة انعكاسٍ للقضية الفلسطينية إذ حملت فكرًا سياسيًا ناضجًا.

الكاتب خالد جمعة، كتب في رثائه: "لم يكن فيصل شخصًا عاديًا، كان استثنائيًا في كل شيء، في فكره السياسي والاجتماعي، في سلوكه اليومي، في عصبيته ومزاجيته، في ظرفه وطُرَفه التي كان يرويها، بحكاياته التي لا تنتهي عن كل من عاصرهم منذ أن وعي أن هناك قضية اسمها فلسطين، وكان ذلك في سن مبكرة جدًا من حياته."

الكاتب زكريا محمد قال في رثاء صديقه :"رحل فيصل حوراني، اللاجئ المسحوق اليتيم الذي تغلب على عذاب الفقر واللجوء، وصار علمًا من أعلام الثقافة والسياسة"، مذكّراته التي أصدرها في خمسة أجزاء من أهم كتب المذكّرات في فلسطين والعالم العربي، ذاكرة فظيعة، تعرض ببساطة عالم الفلسطينيين بعد النكبة، ومن يريد أن يعرف عذاباتها عليه قراءة هذه المذكرات.

يكمل: "عملت مع فيصل، الجلِد الصبور، مرّة، فعلمني أصول التحرير، ولا أنسى دَينه عليّ، وداعًا فيصل، لم يتح لك أن ترانا نتغلب على النكبة وآثارها، لكنني آمل أن لحظة التغلب عليها تقترب يا عزيزي".

الباحث صبيح صبيح استهل رثاء باقتباس من أحد نصوصه:"إن كان محدثي على يميني لا أراه وإن كان على يساري لا أستطيع سماعه"، بمثل هذه العبارة (اعتمد على الذاكرة) وصف فيصل حوراني وضعه أمام جندي الاحتلال الذي كان يتلذذ بإهانته على الجسر أثناء عودته "للوطن".

يتابع صبيح إن هدف العودة المشوّهة لرافض أوسلو تسوية قصة المستحقات مع ياسر عرفات الذي صمم على اللقاء داخل الوطن، فقد عينًا في حربٍ والسمع في حرب أخرى، واليوم يجتمع ببقاياه التي بددتها الحرب.

كان فيصل مستشارًا للرئيس ياسر عرفات، وكثيرًا ما قال: "أنا مستشاره الذي لا يُستشار"، كان يغضب كثيرًا ويعارض كثيرًا، لكن سرعان ما يعود لصديقه عرفات. فأن تحمل همّ الوطن يعني أن تقفز على كل الاختلافات.

وعلى تعدد الروايات التي أصدرها حوراني منذ روايته الأولى المحاصرون، حتى رواية "باولا وأنا"، مرورًا بخماسية "دروب المنفى"، و"سمك اللُّجة"، و"الحنين"، و"دروب الشوم" وغيرها، كلها جاءت لتؤرخ للمراحل التاريخية التي عايشها الشعب الفلسطيني، ولم تبتعد عن ذكريات وتجارب عايشها الكاتب نفسه.

كاريكاتـــــير