شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 10 اعسطس 2022م10:33 بتوقيت القدس

"وإن ما رجعتوا وصّوا أولادكم"..

أم العبد توصي أولادها: "إلكم أرض بالجِيّة أوعوا تنسوا"

17 مايو 2022 - 14:02

غزة:

لا تكلّ الحاجة أم عبد الله الشنطي من الحديث لأحفادها عن "أيام البلاد"، وتفاصيل ذلك اليوم الذي ضاعت فيه فلسطين.

لقد هُجّرت عائلتها من قرية "الجية" عام 1948 عندما احتلت العصابات الصهيونية فلسطين، في كارثة أقل ما يقال عنها إنها "نكبة".

بمرارةٍ تقول أم عبد الله لـ"نوى": "كان المناضلون الفلسطينيون والعرب يحققون انتصارات كبيرة. لولا الخيانة ومذبحة دير ياسين لما ضاعت فلسطين".

وُلدت نظمية الشنطي عام 1939م في قرية الجية قضاء المجدل لأبٍ مزارعٍ ميسور الحال، ورغم صغر سنها كانت تعي جيدًا ما يدور حولها من أحاديث، وتستمع إلى ما يتحدث به الكبار عن بطولات الثوار ضد المستعمرين اليهود والإنجليز.

شجون الحديث عن البلاد، أخذ السيدة التسعينية لتذكّر بيوت الطين البسيطة، وقريتها الوادعة التي كانت تعيش على زراعة القمح والشعير والبندورة، وتجلب باقي احتياجاتها من مدينة المجدل القريبة، بينما يفر الناس من حر الصيف إلى سطح البيت الذي يصنعون له سلمًا ومعرشًا يسموه "علّية".

بدت الحاجة الثمانينية كالأطفال وهي تتحدث عن رفيقات الطفولة، بنات الجيران: صبحية، وهنية طه، اللتان كانتا تلعبان معها، وتشاركانها ملء الجِرار من بئر المياه الوحيد الموجود في القرية، يحملنه فوق رؤوسهن، ويعدن ثلاثتهن إلى البيت معًا.

حياة بسيطة ملؤها الحب لم يعكّرها سوى وجود معسكرات الإنجليز الثلاثة، التي كانت تحيط بالقرية من ثلاث جهات -كما تروي نظمية- وكان العامة يطلقون عليها اسم "كمبات" camps، مع خط سكة حديد ومطبخ.

"لم يسلم الإنجليز أبدًا من استهداف الفدائيين الفلسطينيين، خاصةً عبد القادر الحسيني" تضيف السيدة بنبرة عزٍ وفخار، مردفةً: "مئات الفدائيين استُشهدوا قبل النكبة، لقد كان قرب الجية معسكر كنا نسميه "كامب البولنية"، وتعيش فئه عائلات بولندية لاجئة، فرت من جحيم الحرب العالمية الثانية بعدما وقعت بولندا تحت الاحتلال الألماني".

"كامب البولنية" كما تصفه أم العبد، كان يحظى بالكثير من الاهتمام والجمال والنظافة، يشبه الشقق السكنية، ويجاوره مطعم فاخر، وكان الناس يعيشون بداخله حياة رفاهية ورعاية من شبكات مياه، وصرف صحي، وكهرباء، فيما لم تكن تتوفر للفلسطينيين حينها كل تلك الخدمات، ولا حتى خلال سنوات النكبة وما تلاها.

تكمل: "كنا نمشي أنا والبنات بعيد عن كامب البولنية لما نروح على المجدل خوف نتعرض للسرقة"، عاد البولنديون إلى بلادهم عام 1946 بعد الحرب، ودخل الناس إلى مخيمهم ليشاهدوا أشياءً فاخرة بدت غريبة على أهل القرية البسيطة.

اعتادت الجماعات اليهودية- كما تروي أم العبد- مهاجمة الفلسطينيين، ورغم أنهم لم يسكنوا الجية ولا نعليا، ولا المجدل، إلا أنهم كانوا يتواجدون بكثرة في مدن أخرى. هنا وعت الناس إلى نية إقامة وطن لليهود في فلسطين، وهو أمر طالما حذّر منه الحاج أمين الحسيني.

كانت نظمية طفلة عندما تسللت مرارًا مع صديقاتها إلى ديوان القرية للاستماع إلى الراديو الوحيد فيها، وكان صندوقًا خشبيًا كبير الحجم، ولطالما فرّت ضاحكة مع صبحية وهنية، عندما كان ينهرهن الرجال.

تكمل: "انسحب الإنجليز من المعسكرات عام 1947م، وهجم الناس لمنع اليهود من السيطرة عليها، هنا اشتدت الاشتباكات وبدأ الفدائيون باستهداف جيبات اليهود. مع شهر مارس لعام 1948م، دخلت القوات المصرية والسعودية للقتال في فلسطين، وكان مع الجيش المصري ثماني طائرات، وحققوا انتصارات كبيرة".

تضيف: "بعدها طلب اليهود هدنة من الملك الأردني عبد الله، والملك فاروق، وفعلًا وافق الاثنان، لكن اليهود غدروا وقتلوا عبد القادر الحسيني، وارتكبوا مجزرة دير ياسين، التي لم تكن الأولى إذ سبقَتها مجزرة برير".

عرف الناس بأخبار مجزرة دير ياسين المروِّعة من الناس الفارين ومن الراديو، وبدأت موجات الهرب، ومعها ظهرت مشكلة الأسلحة الفاسدة التي تسببت في انسحاب القوات المصرية.

تعقّب نظمية: "رأيتُ بعيني جنديًا مصريًا أطلقَ قذيفةً نحو اليهود فضربت الحائط وكأنها بقعة زيت، تشبه بقايا الألعاب النارية. صُدِمَ الجندي وتراجع من المكان".

كان يوم استشهاد عبد القادر الحسيني حزنٌ وحدادٌ عام، بكاه الناس في الشوارع لكن سرعان ما بدأت طائرات العصابات الصهيونية تقصف البلدات والمدن، والناس تهرب إلى الجنوب حيث نعليا وهربيا. استمرّت موجات الهجرة كما تروي أم العبد حتى شهر أكتوبر من عام 1948م.

تقول: "هرب الناس إلى البيارات، لكن طائرات اليهود قصفَتهم وقتَلتهم بين الشجر، فهربوا من المجازر إلى غزة التي وصلها عدد كبير من اللاجئين".

لن تنسى نظمية كيف حملت في سن العاشرة وعاءً كبيرًا على رأسها، وبيديها أمسكت شقيقها الصغير عبد الله وابن خالها، وفروا تحت ضرب المدافع هربًا إلى غزة. لقد ظنّوا أن حياة اللجوء قصيرة ولكن مر الزمان ولم يعودوا.

لجأت نظمية مع عائلتها إلى أرض عائلة مراد صديق والدها، حيث كانوا يستضيفون أيضًا عائلة هاجرت من يافا، وسرعان ما انتقلت العائلة إلى مخيمات اللاجئين الذين وفرت لهم وكالة الغوث المأكل والمشرب بشكل دائم، لكن ليس كما كانت توفر للبولنديين قبل سنوات، "إلا أن ما كان يريده الناس هو العودة، وليس الطعام والشراب".

تستدرك نظمية: "بعد الهجرة، اقترح الوسيط الدولي الكونت برنادوت تقسيم فلسطين، من السوافير وشرقًا لليهود، ومن السوافير وغربًا للفلسطينيين، لكن الغزاة لم يقبلوا وقتلوه".

كثيرة هي المواقف التي سردتها نظمية حول حياة ما قبل النكبة وما بعدها، إلا أن أكثر ما علق في ذاكرتها هي عندما لحقت ببقرة على حدود غزة، ولحق بها جنود مصريون لمنعها من الاقتراب من الألغام، وفوجئوا بأنها شقيقة زميلهم أحمد، ذلك الفدائي الذي قالت معهم قبل النكبة، وأيضًا التقت جنود سعوديون عرفوا أحمد، ظلت هذه الجيوش في قطاع غزة حتى عام 1951.

في قطاع غزة كبُرت نظمية لاجئة، وتزوجت وأنجبت 11 ابنًا (6 ذكور و5 إناث)، وظلَّ حلم العودة يراودها.

في سبعينيات القرن الماضي بعد نكسة حزيران التي استشهد فيها أحد أعمامها، كانت الطريق مفتوحة نحو البلاد، وذهبت لزيارة الجية.

تقول: "مريت على أراضينا المهدّمة، شاورت كل حد بعرفه، هنا أرض دار غبن، وهنا أرض عائلة حماد، وهنا بقايا طاحونة (ضرس الزيتون) كانت كما هي".

مرت السنوات، ولم يتسنَّ لنظمية زيارة الجية مرة أخرى سوى قبل ست سنوات، عندما ذهبت إلى هناك حيث كان الوجع متجسّدًا على هيئة "أرض" اختلفت تمامًا عن تلك التي تعرفها. تقول: "لم يتبقَّ من آثار البلاد إلا جمّيزة عمي عبد الرؤوف، ونخلة دار عايش، وشجرة جميز ثانية. القرية مكانها مستعمرة اسمها "جيو" كانت في السبعينات، وبطيمة صار اسمها "بيت شيمو"، الأسماء تغيرت ولكن لم تتغير الذاكرة".

متى فقدت الأمل بالعودة؟ سألناها فأجابت دون تردد: "ولا مرة، مؤمنة بالعودة زي أول لحظة هاجرنا فيها، وإذا ما رجعت برجعوا أحفادي، وهيني بوصّيهم كلهم، إذا ما رجعتوا إنتو كمان بتوصوا ولادكم وأولاد ولادكم، إلكم أرض في الجية أوعوا تنسوا".

تصرّ الحاجة أم العبد على ارتداء الأثواب التراثية التي جلبت مثلها من أيام البلاد. ترتدي ثوبًا قالت إن اسم نقشته "جنة ونار"، وفي خزانتها عرضت مجموعة كبيرة من الثياب لكل واحد اسمه. "هذا اسمه الشامي، وهذا اسمه المندوب السامي، وآخر اسمه أبو متين، وغيره اسمي الشتوي القطيفي" تكمل.

غادرنا نظمية التي كانت أكثر الناس إصرارًا على أن تروي لكل من رأته عينها عن قرية "الجية" وجمالها، لتودعنا وهي تعاهد: "إن رجعت، والله لأغني وأغني وأقول:

والله يا داري إن عدتي وعاد الله

لأطليكي بالشيد وبعد الشيد حنّة

والله يا دار إن عدت لاصحابك

لأطليكي بالشيد وأحني أبوابك

كاريكاتـــــير