شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 12 اعسطس 2022م11:05 بتوقيت القدس

إفطارٌ في باحات الأقصى وضحكاتٌ على عين "إسرائيل"

06 ابريل 2022 - 16:42

القدس:

يتمتم بدعاءٍ ويغلق مصحفه، ثم ينظر إلى لون الشفق في سماء الأقصى. يلتفت إلى جيرانه في المائدة المجاورة وهم يصفّون الأطباق ويتبادلون أطراف الحديث، ويسأل أمه المسنّة عن ما إذا كانت ستصلي التراويح هنا أم ستكملها في البيت، لتجيبه دونما تردد: "أكيد معكم".

لا نعرف بطل المشهد الذي نشرته إحدى صفحات "فيس بوك" في بثٍ مباشرٍ قبل يومين، لكن الواضح من مرور الكاميرا أنه مشهدٌ مألوف لدى أهل القدس الذين لا يدّخرون فرصةً للفرح في شهر الصيام، وفي قلب المدينة وروحها.. المسجد الأقصى.

المشهد على بساطته ترك خلفه ألف سؤال: كيف يبدو الأمر على أرض الواقع هناك؟ كيف اجتمع كل أولئك الصائمين ليفطروا ويمارسوا شعائر العبادة على "عين إسرائيل"؟ كيف يشعرون وهم يلامسون أرض أولى القبلتين؟ هل لإفطارهم طعمٌ مختلفٌ عنه في أي مكانٍ آخر؟ لتأتي الإجابة مباشرةً من المقدسية ريتال خضر: "لا طعم هني للإفطار غير بالأقصى".

ترى ريتال نفسها محظوظةً كونها تعيش في البلدة القديمة بقلب مدينة القدس، حيث خط التماس الأول في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وتقول: "إن لوقت الإفطار هنا طقوسًا مختلفة ومبهجة تختلف عنها في أي مكانٍ آخر".

قبيل المغرب بدقائق، يفرش الصائمون السجاد الخفيف بعد حملة مستمرة من التنظيف والتجهيز تستمر طوال الشهر الفضيل، ثم يأتون بحلل المقلوبة، ومحشي الكوسا والباذنجان، وورق العنب، ويصفّونها بانتظامٍ بديع قرب بعضها البعض، "ولا تخلو الموائد بالطبع من المسخن الفلسطيني وأطباق الفتة" تزيد.

موائد تتجلى بأصناف الطعام هذه عبر الحلقات المنفصلة، التي يتبادل الناس خلالها طعام الإفطار، صحنٌ يقابل آخر، ومن حولهم تدور قطط الأقصى التي تنتظر نصيبها من هذه المأكولات أيضًا.

تخبرنا ريتال أن عادة الإفطار في الأقصى تشكل واحدةً من أبرز أدوات المقاومة والصمود في مدينة القدس، "فعلى بساطتها، إلا أنها تستفز جنود الاحتلال الذين يتربصون بنا، ويتذرّعون بأن تجمعاتهم هذه تزيد التوتر والتخريب في المنطقة".

وتضيف: "لا نصل الأقصى بسهولة وسط كل الحواجز التي يضعها الاحتلال، والعراقيل التي يتذرع بها لمنع دخولنا، وتعطيل فعاليات رمضان التي نقيمها هناك، والإفطار واحد منها".

وعن "عرس الإفطار بالأقصى" يكمل الشاب أحمد البرغوثي حديثها بالقول: "إنه المكان الوحيد الذي نجتمع به كعائلة مرة واحدة، فحتى في يوم الجمعة تغيب طقوس اللمة هذه لأسباب مختلفة، لكن عندما نقرر أن نفطر بالأقصى كلنا يفعل المستحيل لأجل التواجد".

ويخبر "نوى" بأنه حين يتأمل مشهد الناس مجتمعة هناك تسيل دموعه التي يحاول مسحها دون أن تنتبه العائلة، "فهذه بلادنا التي يحرمنا الاحتلال منها، ويسرقون خيراتها، ويحاولون السيطرة عليها ومنعهنا من العيش فيها بحرية" يردف.

ربما يراها موائد نصر، فالمقلوبة التي عبرت كل الحواجز وظلت ساخنة بأحضان حامليها تحدت الاحتلال كذلك، وهي واحدة من الأكلات التي يحاول المطبخ الإسرائيلي سرقتها؛ بعد الشكشوكة، والحمص، والخبز، وأشياء لا تعد ولا تحصى.

العم خليل الهاشمي، يرتجف جسده عندما يرى المسجد عامرًا بأبنائه الفلسطينيين، فوصول عشرات الآلاف من كل فلسطين ليس سهلًا، "وكم من إنسان وإنسانة قتلهم الاحتلال قبل أن يصلوه؟" يتساءل.

يتابع الرجل السبعيني: "شد الرحال فرضٌ علينا، فالأقصى عقيدة، ونحن كشعب صامد مرابط أقل ما نفعله تنسم الحرية هنا، فالنَفَس مختلف، وطعم الأكل يا الله ما أجمله، أزكى أكل أتناوله بحياتي.. هنا".

وعن إفطار الناس بساحات الأقصى، يوضح أنها حالة اعتاد عليها منذ عشر سنوات وأكثر، ليس للمقدسيين فقط، بل لزواره من الضفة الغربية، وقطاع غزة، ومن الداخل الفلسطيني أيضًا، والذين لا يستطيعون جلب طعامهم معهم، يكونون بضيافة المقدسيين "مرحبًأ بهم بأطباق مختلفة ومتنوعة. إن مجرد وصولهم هو تحدٍ للاحتلال".

"أن تكون القدس عامرة بأبنائها وبناتها، وأن يظل الأقصى يعج برواده. أن تعلو ضحكات الأطفال فيه وأن تتبادل الناس همومها وفرحتها بالنصر يومًا ما عندما يصبح الاحتلال ذكرى يا رب، آمين" يختم الرجل بدعواتٍ على وقع أذان المغرب أمام قبة الصخرة.

كاريكاتـــــير