شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 28 مايو 2022م00:50 بتوقيت القدس

منخفض وانقطاع كهرباء.. أطراف غزة تتجمّد!

23 يناير 2022 - 09:57
تصوير: عطية درويش
تصوير: عطية درويش

قطاع غزة | نوى:

سكت صوت فيروز التي كانت تغنّي "شتي يا دنيا تا يروق موسمنا ويحلى". انقطع التيار الكهربائي، وغاب دفء الصوت تحت جنح الغيم، "ولم يعد للشتاء طعم" تقول دينا التي لعنت الانقسام مرة، وحصار غزة ألف ألف مرة.

تتابع دينا شاهين، وهي ربة منزل، وأمٌ لثلاثة أطفال: "مش قادرين نتهنّى على شي بهالبلد، مش قادرين نستمتع بأي شي بنحبه. حتى مطر الخير اللي بنستناه، نغّص حياتنا، وصار نقمة علينا وعلى صحّتنا مع انقطاع الكهرباء".

العتمة في بيوت غزة المتلاصقة في عزّ النهار، والجدران الأبرد من الثلاجة، والمدافئ "الموقوف حالها"، التي باتت "ديكور" في المنازل، أكثر منها أداة للاستخدام المُلِح، هي أعرض عناوين الأزمة. 

وأربع ساعاتٍ من الوصل من أصل ثمانية "لا نعرف لماذا تُقلّص بمجرد الإعلان عن اقتراب منخفضٍ ما" (تزيد السيدة)، تجعل القيام بواجبات الحياة أمرًا في غاية الصعوبة، "وأقل مثال: انتظرت وصل الكهرباء أمس تمام الثانية ظهرًا لأغسل ملابس أطفالي، وأنشرها وقت النهار، فجاءتنا تمام الثامنة! من جاهز للغسل في مثل هذا البرد؟!" تتساءل، وتعقب بانفعال: "أجيبوني هيا".

 تسعد دينا باللحظة التي ينطلق فيها أطفالها إلى مدارسهم صبيحة كل يوم. ترتب المنزل على وقع أغاني اللبنانية "فيروز"، التي ترى أن لصوتها وقعٌ مختلف تحت زخات المطر. وما أن تنتهي من ذلك  حتى تبدأ بإعداد فطور لذيذ مع كأس من الشاي أمام المدفئة. ثم تلتقط بعض الصور لمشاركتها مع أصدقائها في "فيسبوك".. لكن "في معظم الأحيان، القصة لا تكتمل.. والسبب: نحن في غزة" تعلق.

في الوضع "الطبيعي" الذي استقر على حاله منذ عقدٍ ونصف تقريبًا، يعيش نحو مليوني إنسان في غزة بنصيب يومي من الكهرباء محدد بثماني ساعات وصل، مقابل ثمانية أخرى قطع، لكن مع حلول الشتاء في كل عام، تتضاعف الشكاوى من انقطاعها المفاجئ أكثر من نصف المدة المحددة لوصلها أحيانًا!

تضيف دينا: "لدى انقطاعها أكره كل الفصول، فالصيف لن يكون أفضل مع الرطوبة وارتفاع درجات الحرارة، بالشتاء ربما أهوّن على نفسي بارتداء المزيد من الملابس، أو استخدام المزيد من الأغطية؛ نحن حرفيًا.. نُحرم من كل ما يسعدنا، وننتظره بشغف حتى فصول السنة".

تتفق معها أماني إسماعيل التي تخبرنا أنها خلال بضع ساعات من الكهرباء خلال موسم المطر، تتحول إلى كائن بعشرة أرجل! تركض من هنا إلى هناك كي تنجز مهامها المنزلية بمساعدة زوجها حيث يعملان بمحلٍ تجاري لبيع الملبوسات شمال قطاع غزة.

تقول: "في بعض الأوقات، أُجبر على حمل أكياسًا تحتوي على غسيل أطفالي لغسلها في المحل، كون فترة وصل الكهرباء تتزامن مع أوقات دوامي، ثم يقوم زوجي بحملها مجددًا إلى المنزل لنشرها، ليعود بعدها إلى عمله مرة ثالثة".

وترى أماني كل المواسم حلوة "لو لم نكن في غزة" تردف، متابعةً: "العيش في بلد محتل، وجزء منه محاصر، هو أبشع ما يمكن أن يمرّ على المرء، بل يصعب التأقلم معه حتى لو رآه البعض "طبيعياً" بعد ١٦ عامًا من الحصار".

ولا تخفي أماني بعض "المشاكلات الزوجية" التي تحدث أحيانًا حينما تعتمد على "كهرباء المواتير"، ما يزيد من قيمة الفواتير، ويثقل العبء على زوجها، في حين لا يتجاوز راتبهما ٢٠٠٠ شيكل، الذي يعيلان به عائلتهما المكونة من 9 أفراد، بينهم طالبين في الجامعة.

وبالهمس تحدثنا أنها أحيانًا تعتمد على مدفئة الغاز للاحتماء من البرد في حين لا يعرف زوجها بذلك، إذ يحسب كل مستلزمات المنزل "بالشيكل" من أجل تدبير المصاريف الشهرية دون الاضطرار إلى الاستدانة – وفق تعبيرها -.

ومنذ أيام، ضرب فلسطين منخفض جوي عميق تسبب في حدوث سيول أغرقت الطرقات والشوارع. أما في قطاع غزة، فكان الامتعاض أكبر بسبب ضعف البنية التحتية، نتيجة الحصار، وقلة التمويل، واستهدافها من قبل الاحتلال بالصوايخ الارتجاجية وغيرها من الأسلحة، تبعًا لبلدية غزة.

وتداول ناشطون صورًا ومقاطع فيديو لعمال من البلدية يغوصون ببركة الشيخ رضوان من أجل تنظيفها من الأوساخ التي تسببت بإغلاق بعض المصارف، وقد كان بعضهم إيجابيًا عندما استثمر هذه الصور في دعوة المواطنين إلى رمي نفاياتهم في الحاويات المخصصة.

محمد مطر، بدوره يقول: "إن مواسم البرد تفتأ جراح الشباب، بسبب قلة التدفئة، ونقص المال، وانعدام فرص العمل.. حتى البحر يبدو غريبًا عنا في عتمة الليالي الظلمات"، متابعًا: "تنقطع الكهرباء فنشتري الغاز للتدفئة فنجد سعره ارتفع، وفي الوقت ذاته تصلنا فواتير الكهرباء بقيمٍ مضاعفة في وقتٍ لا نراها فيه أصلًا!".

يزيد: "الكل متآمر على غزة، صحيح أن غرق الشوارع، والسيول، وانهيار البنى التحتية، باتت صورًا متداولة في كثير من البلدان، "لكننا نعلم هنا كيف تسببت الحروب بهذا الأسى كله".

كاريكاتـــــير