شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 28 مايو 2022م00:47 بتوقيت القدس

الشيخ جرّاح.. و"مجزرة ذكريات" تحت أنقاض منزل "صالحية"

20 يناير 2022 - 11:16

الشيخ جراح | نوى:

انتصف الليل. كل شيءٍ بدا هادئًا أمام منزل عائلة صالحية المهدد بالهدم في حي الشيخ جرّاح بالقدس المحتلة.

أبناء العائلة، وجيرانهم، وبعض المتضامنين الأجانب تحلّقوا حول نار الحطب تأخذهم الأحاديث إلى حيث "القدس حرة، وأهالي الشيخ جرّاح يعيشون بمأمنٍ عن كيد المستوطنين، وإخطارات الهدم، وتهديدات الاعتقال"، وأصوات الأناشيد والهتافات الرافضة لقرار الهدم صدحت عاليًا قبل أن تنقطع الكهرباء فجأة!

عناصر من شرطة الاحتلال المتربصة بالمكان منذ وقت، هاجمت الحضور جميعًا، واعتقلت أفراد عائلة صالحية الثائرين لنصرة حقهم في بيتهم الذي يسكنونه منذ عام 1948م؛ بعد تهجيرهم من قريتهم الأصلية "عين كارم" غربي القدس خلال أحداث النكبة، تمهيدًا لمصادرته وهدمه.

تتذرع "إسرائيل"، بأن منزل صالحية "مبنى غير قانوني، أقيم على أرض مخصصة لإنشاء مجمع تعليمي إقليمي للأطفال ذوي الإعاقة، يضم 18 فصلًا تعليميًا خاصًا، و6 روضات أطفال، وملاعب رياضية، وقاعات ترفيهية".

قبل ليلة الهدم، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو لمحمود صالحية (صاحب المنزل)، يهدد فيها بحرق نفسه إذا أقدمت شرطة الاحتلال على تنفيذ خطتها، قائلًا: "أنا ما بطلع من داري إلا ع القبر".

المنزل الذي هدمته قوات الاحتلال على مرأىً من العالم وسمعه، يقع على مسافة كيلومتر واحد شمال أسوار البلدة القديمة، حيث يواجه مئات الفلسطينيين في حي الشيخ جراح، وأحياء فلسطينية أخرى تقطن المدينة المقدسة، تهديدات بإخلاء منازلهم.

ساعات الصباح الأولى، كشفت هول "مجزرة الهدم". يقول الناشط المقدسي محمد أبو الحمص –شاهد على الحادثة- "استوقفتني كثيرًا ذكريات أبناء جيراني في صورهم التي انتزعتها من بين الركام. لقد تأملتها بحرقة، وأنا على أنقاض أثاثٍ كان يمثل الدفء والأمان لعائلةٍ فقدت مأواها الآن".

ويكمل: "مشهد تقشعر له الأبدان. تظن لوهلة أن إعصارًا دمر المكان هنا، لا أناسًا من بني البشر"، مردفًا بقوله: "الملابس، والصور، والذكريات المبعثرة، تناثرت في أشد الأيام برودة من هذا العام.. إنه انتقام مدبر من الاحتلال ليس ضد العائلة وحسب، بل ضدنا جميعًا كفلسطينيين".

أما أنس حواري، وهو صحفي من القدس، فكتب على صفحته الشخصية في "فيسبوك": "لقد تسلُل الاحتلال إلى منزل صالحية، وهدمه بعد اعتقال من فيه تحت جنح الظلام. هذه غصة يستشعرها كل فلسطيني حر، لا سيما بعد النصر الجزئي الذي حققه الرجل قبل ساعاتٍ قليلة بحشد التضامن الجماهيري الكبير مع قضيته".

وزاد على ذلك قوله: "للأسف كانت النتيجة مُتوقعة؛ تمامًا ككل معركة فردية نرقبها ولا نملك عندها إلا المشاهدة والدعاء، وشتم الصامتين، واستثناء أنفسنا منهم، وكأن (الآخرين) كلمة تُدين الجميع، وتُبرئ الجميع في الآن ذاته.

كيف كان شعوره حينما انقضّوا عليه؟ بماذا صرخ؟ ما أول ما قاله؟ وما آخر ما نطق به بينما هو يقبع في السجن ظلمًا بتهمة "الدفاع عن حقه ونفسه وبيته"؟ كيف ستكون ردة فعله الأولى حين يرى ركام منزله وكلّ تفاصيل حياته مع أسرته وقد أصبحت ذكريات؟

هكذا ببساطة، وخلال أقل من ساعة، حوّلت "إسرائيل" منزل صالحية إلى رماد. لم ينجُ سوى نصف باب من الثلاجة التي لطالما عُلقت عليها صور أصحابها. "ولو كان للجماد لسان لنطق قهرًا في غياب المقهورين الأحياء خلف زنازين السجن".

سوف لن يستيقظ محمود مرّة أخرى تحت سقف غرفته، سوف لن يجتمع على المائدة مع زوجته وأطفاله، سوف لن يشاهدوا التلفاز معًا في غرفة المعيشة، ولن يكون لزوجته بالًا بعد اليوم لتبدي امتعاضها من تحديق أبنائها بهواتفهم النقالة، في حين تنتظر هي تجمهرهم حول "الصوبة" في ليلة برد قاسية. "إسرائيل" بقرارٍ صغيرٍ محت كل تفاصيل الحياة هنا لتكتب بدايةً جديدة –لا أحد يعلم كيف سيكون شكلها- لعائلة صالحية المهجرة للمرة الثانية.. للنكبة الثانية.

كاريكاتـــــير