شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 28 مايو 2022م00:41 بتوقيت القدس

عُزّل يواجهون الاجتثاث..

فلسطينيو النقب.. صراع الهوية

18 يناير 2022 - 13:40

النقب:

"لدينا هنا مقبرة عمرها أكثر من 400 عام، دُفنت فيها أجيال. نحن هنا قبل إعلان ما يسمى بدولة إسرائيل" تقول الشابة الفلسطينية عدن الحجوج من قرية "السعوة" في النقب المحتل بانفعال، بينما تشير بيدها إلى منطقة قريبة.

عدن التي كانت تقف برفقة عشرات النساء والرجال من أهل القرية في مواجهة المئات من جنود الاحتلال الإسرائيلي، هتفت بأعلى صوتها: "هذه أرضنا"، فيما كانت تحاول صد هجوم الجنود المسلحين لهدم بيوت الأهالي، وطردهم منها لصالح مشاريع الاستيطان.

وتواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية العام، اعتداءاتها على عدد من القرى الفلسطينية في النقب المحتل، ضمن سلسلةٍ ممتدةٍ من محاولات القضاء على الوجود الفلسطيني في تلك المنطقة. فمنذ احتلال فلسطين في عام النكبة، طردت قوات الاحتلال 90% من السكان، فيما يواجه الآلاف ممن بقي منهم الاعتداءات المستمرة، والتضييق المعيشي، وعدم الاعتراف ببلداتهم وقراهم بغرض إجبارهم على الرحيل.

وتبلغ مساحة النقب 14 ألفًا و230 كيلو مترًا مربعًا، أي أكثر من نصف مساحة فلسطين التاريخية، البالغة 27 ألف كيلومترًا مربعًا و9 كيلو مترات، بينما يعيش البدو على مساحةٍ تصل إلى 4 ملايين دونم، تقلصت الآن إلى نحو 300 ألف فقط، بعد احتلال فلسطين، وإقامة المدن والقرى التي يسكنها إسرائيليون.

عودة إلى عدن "ابنة البادية" التي وجهت حديثها لوسائل الإعلام باللغة الإنجليزية: "يريدوننا -أي الاحتلال- أن نعيش لاجئين في أرضنا". تشير بيدها إلى الاشتباكات بين المواطنين البدو وعناصر جنود الاحتلال الذين يعتدون عليهم بالضرب، وتضيف: "اعتقلوا عشرات النساء والأطفال، واعتدوا عليهم فقط لأنهم كانوا يحتجون على هدم بيوتهم".

"هل هذه هي الديمقراطية؟ هل هذي هي الحرية؟ هل هذه هي الحقوق؟" تتساءل باستنكار أمام الكاميرات، مردفةً بالقول: "النقب بحاجة لمساعدتكم، انظروا إلى اعتداءاتهم على النساء والأطفال حين تدعمون هذه الدولة العنصرية، هذه فلسطين، وستبقى فلسطين، وهذه أرض بدوية وستبقى.. لن نرحل ولو هدموا بيوتنا فوق رؤوسنا".

ووفقًا لتقرير لنادي الأسير الفلسطيني، فإن قوات الاحتلال اعتقلت 131 فلسطينيًا وفلسطينية من بدو النقب، أثناء احتجاجاتهم على مصادرة أراضيهم وبيوتهم.

عطية الأعسم، رئيس المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها في النقب قال لـ"نوى": "بدأت عمليات التجريف والتحريش منذ عشرين عامًا، وتكثّفت بعد صفقة تبادل بين الحكومة الإسرائيلية والصندوق القومي اليهودي "الكاكال"، حيث صودرت بموجبها أراضٍ لصالح الصندوق في منطقة المركز، وأُعطِي المستوطنون منها في الجنوب، أكثر مما أخذوا".

وزعم الاحتلال أن الأراضي التي صادرَها هي أملاك غائبين -وفقًا لقانونٍ بريطاني- كما حدث في قرية "العراقيب"، بينما تم طرد عائلاتٍ من أراضيها، "لكن الجزء الأكبر من هذه الأراضي تمت السيطرة عليها بعد النكبة عام 1948م، عندما طردت آلاف العائلات من بيوتها، وأراضيها، وهُجّرت إلى الأردن وقطاع غزة وصحراء سيناء" يقول الأعسم.

أما الاعتداءات الجارية حاليًا، فهي تهدف إلى أمرين (والحديث له) أولهما: "الحدّ من التكاثر الطبيعي للفلسطينيين في الداخل المحتل، فبعد النكبة وتهجير 90% من أهالي النقب، بقي 12 ألفًا يرابطون في أراضيهم، وارتفع عددهم اليوم إلى 300 ألف، وهذه الزيادة فيها قوة للفلسطينيين في الوقت الذي تريد دولة الاحتلال فيه الحفاظ على يهودية الدولة"، متابعًا بقوله: "أما الهدف الثاني، فيكمن في السيطرة على الأراضي ودفع الناس لتركها لصالح الاستيطان".

ويكمل: "في العهد العثماني، أقرّوا للبدو بأملاكهم، وكل واحدٍ يعرف أرضه عُرفيًا، حتى أنهم حين أنشأوا مدينة بئر السبع عام 1900م، اشتروا 2000 دونم من عشيرة العزازمة، وجاء الانتداب البريطاني، وأقرّ أيضًا للناس الملكية على أراضيهم".

ويوجد في هذه المناطق الفلسطينية حاليًا 10 مدن إسرائيلية، ونحو 140 قرية، تتلقى الخدمات على حساب ضرر بالغ يلحق بالمواطنين الفلسطينيين البدو أصحاب الأرض، الذين يسكن الجزء الأكبر منهم في قرى لا تعترف بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

يقول الأعسم: "إن القرى غير المعترف بها لم يضعها الاحتلال على الخرائط أصلًا منذ النكبة، بالتالي فهم يتعاملون معها على أنها غير موجودة، بينما يسكن الفلسطينيون في 7 بلدات رئيسية أكبرها رهط التي لا تحظى غالبيتها بالتطوير"، منبهًا إلى أن القرى غير المعترف بها "محرومة من أي خدمات، إذ تحيط بغالبيتها مصانع كيماوية، ويقع قربها مفاعل ديمونا، وهذا تسبب في ضرر صحي بالغ على الناس لدرجة أن 17 مولودًا يموتون من بين كل ألف حالة ولادة، إلى جانب حالات الإجهاض المتكررة، خاصةً في مناطق الجنوب".

ووصف الأعسم الجهد المبذول للتضامن مع النقب بـ "غير الكافي"، مشبًها إياه بما حدث إبان مشروع "برافر".

وألقى الأعسم العتب في ذلك على السلطة الفلسطينية التي تتعامل مع الأزمة "وكأنها شأنٌ إسرائيلي، كون الفلسطينيين هناك تحت سيطرة الاحتلال (..) في هذا الإطار ندعو إلى تحرك عاجل عبر الآليات الدولية لفضح هذه الجرائم بحق بدو النقب".

وتحدثت "نوى" إلى الناشطة هدى أبو عبيد هاتفيًا، وكانت قد عادت لتوها من إحدى المظاهرات، فقالت: "الاحتلال أفرج عن بعض الشبان الذين شاركوا في الاحتجاجات، وأبقى على آخرين بعد أن وجه لهم تهمًا مختلفة عما اعتادوه في مثل هذه الاحتجاجات".

وحسب هدى، فقد اعتاد الاحتلال على توجيه تهم كثيرة للشبان المحتجين كـ "ضرب شرطي، أو المشاركة في مظاهرة غير مرخصة"، ولكن هذه المرة، كان هناك تهم بالتحريض والإرهاب، على خلفية نشر الشبان لفيديوهات على منصة "تيك توك"، تدعو الناس للمشاركة في الاحتجاجات، وهي تهم يعدّها الاحتلال ليوجّه ملفًا للمستشار القضائي للحكومة.

تقول الشابة التي تسكن قرية اسمها "اللقيّة": "في عهد الحكومات الإسرائيلية السابقة، كانت تحدث مثل هذه الاعتداءات والاشتباكات، لكن لم تصل إلى هذا الحد من العنف"، فحتى هي نفسها أخبرتها جارتها صباحًا أن شرطة الاحتلال حضروا إلى الشارع وسألوا عنها، "وردّت الجارة بأن هدى لا تسكن هذا الشارع" تزيد.

وتعقّب: "أنا لم أفعل شيئًا سوى أنني شاركت بعض مقاطع الفيديو حول ما نتعرض له من انتهاكات إنسانية، في فيسبوك".

وتعدّ رهط أكبر مدينة فلسطينية في النقب، يليها 11 قرية تم الاعتراف بها وتمثلها مجالس إقليمية، فيما بقيت 35 قرية لا تعترف بها سلطات الاحتلال، وهي غير موجودة على الخريطة، ومحرومة من كل الخدمات، "وبالتالي تتعامل حكومة الاحتلال مع سكانها على أنهم غير موجودين".

تستطرد هدى في شرح معاناة أهل تلك القرى فتقول: "يستعين الناس بالطاقة الشمسية للحصول على الكهرباء، ويعتمدون سياراتهم الشخصية للتنقل، أو على بعض البدائل، في ظل عدم وجود شبكة مواصلات، لكن لا يوجد أي عيادة أو مركز صحي فيها، ويعاني الناس بشدة من أجل الحصول على خدمات صحية، خاصة في أوضاعٍ مثل الجائحة، حيث لم يكن هناك أي رعاية للناس".

وتضيف: "إن المجتمع البدوي هو الأفقر في الداخل المحتل، فالناس كانوا قبل النكبة يعملون في الزراعة، والآن لا يوجد أي بنية اقتصادية لديهم".

بشكلٍ شبه دائم يتواجد متضامنون في المنطقة، وتنشط هدى وعدد من زملائها وزميلاتها في لقاء سفراء وقناصل دول أوربية، والتحرّك عبر الآليات الدولية ومؤسسات حقوق الإنسان دفاعًا عن حقوقهم، لكنها تلقي بعتبٍ كبير على السلطة الفلسطينية بقولها: "تركونا منذ اتفاقية أوسلو، يبدو أنهم صدّقوا كلمة عرب إسرائيل".

وختمت بقولها: "هذه الأرض فلسطينية وستبقى كذلك، نحن هنا ثابتون على أرضنا ولن نغادرها ولو دمروها فوق رؤوسنا".

كاريكاتـــــير