شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 02 يوليو 2022م17:51 بتوقيت القدس

الدماغ: "هنا أُثبت أنني على قيد العطاء"

الشغف يهزم السرطان في "خشبة ومنشار"

11 يناير 2022 - 14:13

شبكة نوى، فلسطينيات: بشغفٍ كبير يواصل علاء الدماغ (41 عامًا) قص أخشاب المشاطيح، بما يتلاءم مع المجسم الذي قرر تنفيذه.

علاء الذي يعكف على صنع المجسمات الفنية المختلفة منذ نعومة أظفاره، عاد لتوّه من رحلة علاجٍ طويلة بعدما أصابه سرطان خبيث! عادَ بشغفٍ وحب إلى أخشابه وأدواته وتصاميمه، ليثبت لكل من يحبونه أن اليأس قرار، وأن الأمل في الإنسان فطرة.

بدأت حكاية علاء مع صناعة المجسّمات منذ نعومة أظفاره، إذ كان يبدع أجملها من ألواح الكرتون، ليتحول الشغف إلى انطلاقةٍ قوية في عالم تصميم المجسّمات تمامًا قبل عامين، عندما حوّل غرفةً خارجية في منزلة إلى ورشةٍ صغيرة وأطلق على مشروعه اسم "خشبة ومنشار".

علاء الذي تجذبه رائحة الأخشاب، وتشغله كيفية تشكيلها وتطويعها بما يتناسب مع متطلبات عمله، كان ينظر بفخرٍ إلى منتجاته وهو يروي لـ "نوى" الحكاية. تأمّلَها بتمعن، ورفع رأسه بعد نفسٍ عميق، ثم قال: "استأصلت ورمًا قبل وقتٍ قصير، لكنني عدت. عدتُ لأثبت لكل من يحبونني أنني سأقتل السرطان في داخلي قبل أن يقتلني".

وبالفعل عاد علاء. عاد يتحسس أدواته المعلقة في صدر الورشة، ويلقي على شغفه هناك التحية، فهناك كانت حياته وستبقى.

يشير إلى مركبٍ شراعية في طور التنفيذ، ويكمل: "بدأتُ بمنشارٍ صغير، وبعض الأدوات المساعدة، لم أكنت أملك الأدوات التي أملكها اليوم وأصنع بها هذه المجسمات الاحترافية. كنتُ أكتفي بصناعة أقفاص العصافير، أو رفوف للمحال التجارية التي كنتُ أصممها بشكلٍ غير تقليدي، بالإضافة إلى حوامل خشبية لعرض البضائع، أو تزيين الحدائق".

بعد ذلك –والحديث له- تطورت علاقته بالخشب بعدما اكتشف أنه مادة سهلة التطويع، ويمكن استخدامها لصناعة مجسمات مختلفة. يزيد: "مجسمات الكرتون كان عمرها قصير، وكلما كان أحد مجسماتي يتعرض للتلف يصيبني الألم. فقررت أن أمضي في الرحلة بقوة أكبر عبر استخدام خامةٍ مستدامة، هي الخشب".

ولا يخفي الدماغ أن رحلة التصنيع هذه  تصيب حينًا وتخطئ أحيانًا، "لكن التصميم والإرادة سر النجاح، وهذه ليست مقولة فقط.. بل قناعة ويقين" يقول.

بدأ الدماغ بصناعة المجسمات الأقرب إلى قلبه والمرتبطة بطفولته (الكبّاش، والجرافة) وما زال يحتفظ بهما حتى يومنا هذا، "فالعلاقة مع البدايات لا يمكن تجاهلها" وفق وصفه.

ويكمل: "أن تمضي ما يزيد على خمسة أسابيع في صناعة مجسم، قد يكون ضربًا من الخيال بالنسبة لك، لكن هذا حقًا ما كان يحدث معي، كوني لم أكن متمرسًا بالعمل من قبل، ناهيك عن استخدامي لأدوات بدائية لا تزيد على خشبة ومنشار"، مبينًا أن التجربة وتكرارها مرارًا جعل من الأمر أسهل "لكن.. هذا لا يمنع أن المسألة أكبر من مجرد عملية تجسيد للمجسمات".

يحتفظ الدمّاغ بخزنة صغيرة تأخذ حيزًا على أحد الجدران، يُخبئ فيها ملفًا يحتوي على تفاصيل تفريغ المجسمات التي أنهى تصميمها، "فهي بمثابة المرجع الذي أعود له عند تكرار العمل، ناهيك عن بعض الأدوات  الدقيقة التي أحتاجها في عملية التصنيع" يعلق.

يتوقف الرجل في كثيرٍ من الأحيان عن استكمال مجسماته لمدةٍ طويلة، إذا ما تعثر في إحدى مراحل العمل، يقول: "طوال هذه الفترة لا أتوقف عن التفكير والبحث عن حلٍ للخلل، هكذا حتى أتغلب عليه. ورغم الوقت الطويل الذي يستغرقه العمل، إلا أن تعبي سرعان ما  يتحول إلى سعادةٍ غامرة بمجرد أن أرى العمل وقد أصبح جاهزًا (..) هنا فقط أشعر أنني ما زلت على قيد الحياة والعطاء".

أكثر المعوقات التي تواجه علاء صعوبةً هي "أزمة الكهرباء" التي تعصف بأي عمل يعتمد عليها في قطاع غزة، "وهذا يجعلني أتقيد بأوقات الوصل للعمل في الورشة، بينما أحاول إنجاز العمل قبل الليل حتى لا أشكل عامل إزعاج للسكان المحيطين بالمكان" يردف.

عائق آخر يقف أمام ترويج المجسمات هو الحصار، إذ يمنع الاحتلال الإسرائيلي المتحكم بالمعابر وصول منتجات ورشة علاء إلى الضفة الغربية، "وهذا يحرمني من تنفيذ الكثير من الطلبات التي تصلني من هناك" يضيف.

وتحقق المجسمات التي يصنعها علاء "غايةً ذاتية" وفق تعبيره، إذ تشده نحو الطفولة، "حتى أن رحلاته العائلية إلى شاطئ البحر لا تتم بدون اصطحاب هذه المجسمات التي يستخدمها أطفاله في اللعب بالرمل هناك، بينما تمثل أدوات البناء التي يصنعها قيمًا عديدة بالنسبة له، أقلها: الأمل، والحياة، والبقاء، وهذا ما يجعله مصرًا على التميز بصناعتها وإتقان تفاصيلها بشكلٍ دقيق.

ويتّجه الدماغ إلى تصغير حجم المجسمات التي يقوم بصناعتها لتصبح في متناول أيدي المواطنين الذين قد تمنعهم تكلفتها العالية من اقتنائها، فيما يطمح لأن يكبر مشروعه أكثر، وأن تتطور أدواته لتشابه تلك المتوفرة خارج فلسطين فيكون على قدر المنافسة محليًا وعالميًا أيضًا.

كاريكاتـــــير