شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 24 يناير 2022م05:18 بتوقيت القدس

مراقبة بشرية وإلكترونية

عيون "إسرائيل" تخترق "الخصوصية" في زنازين الأسيرات

28 نوفمبر 2021 - 13:32

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"في السجن لا فرق بين أسيرٍ وأسيرة.. العذاب هو العذاب" بهذه الكلمات بدأت الأسيرة المحررة نسرين أبو كميل رواية تجربةٍ عمرها 6 أعوام، قضتها خلف قضبان المحتل.

تستدرك السيدة البالغة من العمر (46 عامًا) بالقول: "لكن معاناة الأسيرة مضاعفة، فكونها امرأة تحتاج إلى مساحةٍ من الخصوصية لا تتوفر داخل سجون الاحتلال، فالمراقبة على مدار الساعة بعيونٍ بشرية، وإلكترونية أيضًا".

نسرين، التي اعتقلتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في الثامن عشر من تشرين الأول/أكتوبر عام 2018م، هي آخر الأسيرات انعتاقًا من ظلمات السجون، وهي أكثر من يمكنه الحديث عن تلك المرحلة القاسية المؤلمة، التي مرت بها كأسيرة امرأة، وأم لم ترَ أطفالها أبدًا.

تقول لـ "نوى": "عشتُ فصولًا شتى من العذاب والمعاناة، وكان أشدّها وقعًا على قلبي حرماني طوال مدة اعتقالي من رؤية أبنائي السبعة، أسوةً بغالبية ذوي الأسرى في غزة، الذين تحرمهم سلطات الاحتلال من زيارة أبنائهم في السجون منذ نحو سبعة أعوام".

تفاصيل مؤلمة كثيرة ترويها نسرين عن تجربتها الاعتقالية، برفقة أسيراتٍ عشن ما عاشته بحذافيره، فتقاسمن الأسى، والمعاناة تمامًا كما تقاسمن الطعام والشراب. تضيف: "أدعو لهن كثيرًا بموعدٍ قريبٍ مع الحرية، فما يسمى هناك مصلحة السجون، تمارس كل شيء من شأنه أن يجعل من السجن "نارًا"، عبر إجراءات معقدة تمس أدق التفاصيل، الأكل، والشرب، واللبس، ومواعيد النوم، وحتى الخروج إلى "الفورة" (الفسحة اليومية القصيرة في ساحة السجن المسورة بالجدران والمسقوفة بالأسلاك الشائكة)".

يبدأ يوم الأسيرة داخل سجون الاحتلال عند الساعة السادسة صباحًا بالمثول للعد (إحصاء لأعداد الأسيرات تكرره سلطات الاحتلال عدة مرات يوميًا)، ثم تبدأ الرحلة اليومية لقضاء ساعات النهار في ما ينفع. وفقًا لنسرين فإنها كانت مختصة بالطبخ للقسم الذي كانت تتواجد فيه، ذلك بعد "معركة نضالية" رفضت الأسيرات خلالها فكرة أن يتولى جنائيون إسرائيليون الطبخ لهن، حتى رضخت إدارة السجن لمطالبهن.

وتفرض مصلحة السجون على الأسيرات ارتداء زي السجن الموحد، وهو يشبه ذلك الزي الذي يرتديه الأسرى، (جاكيت بني اللون)، تصفه نسرين بأنه "كئيب"، وتكمل: "كنا نحرص غالبًا على ارتداء طقم الصلاة، بل إن الكثير من الأسيرات يفضلن النوم به تحسبًا من أي عملية اقتحام مفاجئة".

حالة القلق من هذه الاقتحامات المفاجئة، كانت تدفع ببعض الأسيرات إلى النوم نهارًا لبعض الوقت، والسهر ليلًا وقضاء الوقت في الصلاة وقراءة القرآن.

وترى نسرين أنها اجتازت تجربتها الاعتقالية بنجاح، حيث استثمرت سنوات السجن بالقراءة، وحفظ 25 جزءًا من القرآن الكريم. تعلق بالقول: "لقد خرجت من هذه التجربة القاسية أكثر قوة".

وللأسيرة المحررة فاطمة الزق تجربة اعتقالية مماثلة لنسرين، لكن بتفاصيل أكثر ألمًا وقسوة. تقول لـ"نوى": إن "الأسيرة الفلسطينية في سجون الاحتلال تعيش في سجن داخل السجن.. كنا نفتقد للخصوصية، ونخشى على أنفسنا من مكر السجانين والسجانات، وأساليب المراقبة سواء البشرية أو بالكاميرات".

واعتقلت قوات الاحتلال الزق عام 2007م على معبر بيت حانون (إيرز)، وخضعت لتحقيقٍ قاسٍ بتهمة التخطيط لتنفيذ عملية فدائية، وحكم عليها بالسجن 12 عامًا، قضت منها 30 شهرًا، وتنسمت الحرية في صفقة تبادل الأسرى "وفاء الأحرار" عام 2011م.

لم تكن فاطمة تعلم وقت اعتقالها أنها حامل بابنها يوسف، الذي أنجبته داخل السجن، تقول: "بالكشف الطبي تبين أنني حامل، لكن هذا الحمل لم يشفع لي لدى ضباط المخابرات الذين مارسوا صنوفًا عدة من التعذيب ضدي".

وعانت فاطمة خلال شهور حملها من سوء المعاملة، وافتقارها كامرأة حامل للتغذية الصحية، ورداءة الطعام، الذي كان يعده للأسيرات الفلسطينيات، سجناء إسرائيليون على خلفيات جنائية.

وبعد خضوعها للشبح والتعذيب مدة 21 يومًا، كان من ضمنها 7 أيام أجبرت فيها على الجلوس بشكل متواصل على كرسي صغير من الحديد في مركز تحقيق "عسقلان"، وجلسات تعذيب بالكهرباء، ألقت قوات الاحتلال بالزق في زنزانةٍ صغيرة.

في هذه الزنزانة التي بالكاد تتسع لشخصين، كانت فاطمة برفقة أسيرتين ثانيتين، ولتقريب وصف هذه الزنزانة للقارئ، أضافت: "عرضها متر واحد، وطولها لا يتجاوز مترين، لا تدخلها الشمس، وكنا نتناوب على النوم، ونتبادل الحركة والجلوس".

ولصغر مساحتها لم يكن بداخلها مكان للاستحمام، تمامًا مثل كافة سجون الاحتلال- الأمر الذي كان يفقد الأسيرات الخصوصية والأمان.

في سجن الدامون مثلاً، حيث قضت الأسيرة أبو كميل محكوميتها كاملة، "كان الحمام عبارة عن ثلاثة جدران، وبلا باب، ووتغطيه قطعة من النايلون (البلاستيك)، فكيف يمكن للأسيرة أن تأمن على نفسها من المراقبة فيه؟" تتساءل.

توافقها الزق، وتكمل: "لا أمان مطلقًا داخل سجون الاحتلال، الأسيرات يتخذن كل إجراءات الحيطة والحرص والأمان حفاظًا على أنفسهن".

بالنسبة لفاطمة فقد افتقدت طوال فترة اعتقالها، ومثلها أسيرات أخريات، القدرة على النوم المريح والمتصل، وتكتفي بالنوم لفترات قصيرة متقطعة تقضي بعدها ساعات الليل في الصلاة والدعاء، وتترقب في كل لحظة اقتحام زنزانتها، حيث دأبت "وحدات القمع" على تنفيذ عمليات دهم وتفتيش ليلية مفاجئة، وسط أجواء من الرعب والإرهاب.

وكما غيرهن من الأسيرات المحررات، نذرت نسرين وفاطمة نفسيهما للعمل المتواصل في التعريف بقضية الأسيرات داخل سجون الاحتلال، والتضامن معهن في كل محفل، وفيما كان لفاطمة مشاركات خارجية لإسناد الأسيرات وكشف جرائم الاحتلال بحقهن، فإن نسرين التي لم يمض وقت طويل على تحررها من السجن، تشارك في كل الفعاليات التضامنية مع الأسرى والأسيرات.

وبحسب فاطمة ونسرين فإن هذه هي مشاعر كل من خاض تجربة الاعتقال، "والفرحة لن تكتمل إلا بتبييض السجون من جميع الأسرى والأسيرات" تعقب الزق.

وتشير بيانات "مركز فلسطين لدراسات الأسرى" إلى أن 33 أسيرة فلسطينية يقبعن حاليًا في سجون الاحتلال، من بينهن 7 أمهات، يعانين ظروفًا قاسية، ويتعرضن لأشكال من الظلم والاضطهاد.

ووفقاً لبيان حديث أصدره المركز، فإن الشهور القليلة الماضية شهدت تكثيفًا من جانب "مصلحة سجون الاحتلال" لعمليات الاقتحام والتنكيل بالأسيرات، ومصادرة متعلقاتهن، بالإضافة إلى فرض غرامات مالية عليهن بحجة مخالفة قوانين السجن.

وأوضح البيان أن أشد ما تعانيه الأسيرات هو عدم توفر الخصوصية، نتيجة وجود كاميرات مراقبة على مدار الساعة، وضعتها إدارة السجن في الممرات وساحة الفورة، فضلًا عن إقامة الحمامات خارج الغرف، والسماح باستخدامها في أوقات محددة فقط، إضافة إلى ما تتعرض له الأسيرات من عزل انفرادي، وحرمان من العلاج والتعليم، والتفتيش المهين.

وتشير الإحصاءات إلى أن الاحتلال ارتكب منذ عام 1967م، أكثر من 16 ألف حالة اعتقال استهدفت المرأة الفلسطينية.