شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ديسمبر 2021م03:13 بتوقيت القدس

بُترت ساقه بقصف عام 2008م..

"أبو زوهر".. مسعفٌ حولته الإعاقة لنجار محترف

24 نوفمبر 2021 - 14:03

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"انقلبت رأسًا على عقب"، هذا بالضبط ما يمكن أن نقول إنه حدث لحياة محمد زيدان، ذلك الشاب الذي تحول من ضابط إسعاف في جهاز الدفاع المدني إلى "نجّارٍ" بغتة.. لكن انتظر صديقي القارئ، الحكاية ليست عادية.

في التفاصيل: زيدان نجّارٌ بساقٍ واحدة، فَقَدَ بـلمح البصر ساقه الثانية في غارة جوية إسرائيلية غدرت طمأنينة قلبه في يومٍ دام من أيام عدوان عام 2008م.

كان محمد آنذاك في أواخر العشرينات من عمره، وكان يتمتع بالحيوية والشجاعة التي يحتاجها العمل في الإسعاف والطوارئ، حتى أنه في تلك المهمة، أطلق العنان لسيارة الإسعاف التي كان يقودها، وسابق الريح لعله ينقذ ضحايا غارة جوية استهدفت شمال قطاع غزة، لكنه لم يكن يعلم أنه سيغدو جريحًا يشارك جرحى تلك الغارة رحلتهم نحو مصيرٍ مجهول، بعد استهداف سيارته ذاتها! دون مراعاةٍ لحصانتها الإنسانية والأخلاقية أيضًا.

يقول محمد، الذي يبلغ من العمر حاليًا (40 عامًا) لـ "نوى": "هذه الحادثة كان لها وقع الصدمة، لم أكن أتخيل وقتها كيف سأقضي بقية حياتي بهذه الإعاقة بعدما فقدتُ عملي، وأصبحت بحاجة للاعتماد على الآخرين في تلبية شؤون حياته".

لم يَطُل التفكير بمحمد، ولم يستسلم لليأس، رغم ما واجه من صعوبات في البدايات الأولى للإصابة، وخضوعه لعمليات جراحية في مستشفيات محلية، فيما حالت ظروفه المالية وقيود الحصار دون سفره إلى ألمانيا لتركيب طرف اصطناعي. يكمل: "وذتها كانت الحدود مغلقة، والتكاليف المادية باهظة، ولم أستطع تحمّل ذلك، فقررت التعايش مع حالتي وقبول فكرة البتر، والاعتماد على العكازات لتحدي الإعاقة".

وبعدما استقر به الحال، التحق بدورات مهنية تدريبية، بحثًا عن مجال آخر للعمل يكمل به حياته، فتعلم فنون مهنة النجارة، وحصل على منحة وفرت له المعدات والأدوات اللازمة، وساعدته على افتتاح ورشة نجارة في منزله بمخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين في شمال قطاع غزة، يقضي فيها جل ساعات نهاره.

محمد، الذي يعرف في وسطه الاجتماعي بلقب "أبو زوهر"، أضاف بينما كان منهمكًا في تقطيع لوح خشبي بمنشار كهربائي: "عملي في النجارة ساعدني على الاندماج من جديد في الحياة والمجتمع، بعدما أفقدتني الإعاقة عملي كضابط إسعاف في الدفاع المدني".

ويقر محمد أنه واجه صعوبات شديدة في بداية عمله، لا سيما وأن البتر استهدف ساقه من منطقة ما فوق الركبة، في الوقت الذي يتطلب فيه العمل بالنجارة حرية الحركة، "لكن الأمر اختلف بعد تركيب طرف اصطناعي كمنحة من "مستشفى حمد بن خليفة آل ثاني".

ومستشفى حمد للتأهيل والأطراف الصناعية بغزة، أُنشئ عام 2019م، وهو مبني من خمس طبقات، ومقام على مساحة 12 دونمًا، بينما تموله بالكامل دولة قطر، ويقدم خدمات إعادة التأهيل الطبي للمرضى الذين يعانون من إعاقة مركبة.

يقول رئيس قسم الأطراف الصناعية فيه أحمد العبسي: "يقدم المشفى خدماته لمبتوري الأطراف في قطاع غزة، نظرًا لمحدودية قدرتهم على السفر للعلاج في الخارج"، موضحًا أن القسم يعمل على توفير "دائرة علاجية متكاملة للأشخاص الذين يحتاجون إلى أطراف صناعية على ثلاث مراحل هي: إعادة التأهيل النفسي والجسدي، ومن ثم إنتاج الطرف وتثبيته، ثم تدريب المريض على استخدامه".

بالعودة إلى زيدان، فتبعًا لظروف قطاع غزة الذي يعصف به الحصار منذ 15 عامًا لا يعد حالةً غريبة، لكنه يمثّل نموذجًا للإرادة وعدم الركون والاستسلام لليأس. يعلّق زيدان بقوله: "أنا فخور بنفسي وبما وصلتُ إليه رغم أن حياتي اختلفت بشكل كامل بعد الإعاقة".

ووفقًا لإحصائيات وبيانات فلسطينية، فإن 49 ألف شخص في غزة يعانون من إعاقة، أي ما يعادل 2.4% من إجمالي سكان القطاع الصغير ويقدر عددهم بنحو مليوني نسمة.

وقدر ارتفعت على نحو ملحوظ أعداد حالات الإعاقة الحركية في السنوات الماضية بفعل الحروب والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، التي كانت ذروتها خلال فعاليات مسيرات العودة.