شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ديسمبر 2021م02:14 بتوقيت القدس

خطبها أسيرًا قبل 14 عامًا..

"سامي" و"غادة" وخاتمة الحكاية: قبلةٌ على صورة "شهيد"

23 نوفمبر 2021 - 17:56

خانيونس:

انقضت أيام العزاء الثلاثة، وعادت غادة أبو جامع (32 عامًا) من بيت عائلة خطيبها الشهيد سامي العمور إلى منزلها، تحتضن بين يديها ما تبقّى له من صور، وتتجرّع آلام ذكرياتٍ فاق عمرها الـ 14 عامًا.. عندما بدأت بينهما قصة حبٍ اختارت "إسرائيل" لها "الموت" نهاية.

قبل اعتقاله عام 2008م، كانت غادة اختيار قلبه، وظلّت ضحكتها أنيسة وحدته، ونورًا لظلام سجنه. تعاهدا على الوفاء على أملٍ -لم ينقطع يومًا- بأن يجمعهما معًا بيتٌ واحد، أو أن يحول دون ذلك الموت.. وقد كان، لتبدأ قصة وفاءٍ جديدة لحبٍ من نوعٍ آخر، لا يعرفه إلا أهل فلسطين.

"بكاء سامي وهو يشكو تدهور وضعه الصحي، والآلام الشديدة التي يشعر بها، كان آخر ما حفر في ذاكرتي خلال مكالمتي الأخيرة معه، لقد كان قلقًا جدًا على صحته، خائفًا على قلبي من أي صدمة" تقول غادة.

تحاول خطيبة الشهيد الذي قتله الإهمال الطبي في سجون الاحتلال الإسرائيلي فجر الخميس الماضي استجماع شتات قوتها، وهي تحدّث "نوى" عن بذرة الحب الأولى التي غرسها سامي في القلب شابًا يانع الطموح: "اتخذ قرار خطبتي، وأوشك على ذلك لولا أن قوات الاحتلال الإسرائيلي اجتاحت مدينة دير البلح حيث يسكن مع عائلته، واعتقله هو وشقيقه، ثم حكمت عليه بالسجن 19 عامًا في سجن نفحة الصحراوي"، هذا في الوقت الذي حُكم فيه شقيقه 12 عامًا، وقد أُفرج عنه العام الماضي.

بعدما غيّبه السجن عاد للتواصل مع غادة التي أكدّت له بأن لن يفرقهما شيء سوى الموت. هنا تقدم خاطبًا لأهلها من خلف القضبان: عريسٌ أسيرٌ يخطب صبيةً بعمر 18 عامًا فتوافق بعدما استمعت لنداء قلبها.

تردف: "لم يمانع أبي، كان على يقينٍ بأنه يزوجني لرجل لاسيما بعد أن سمع صوته عبر الهاتف طالبًا يدي، ثم أرسل عائلته لخطبتي، وتم في قلبي الفرح عروسًا لسامي الذي كنتُ على يقينٍ بأنني سألتقيه يومًا ما".

لم ينقطع الاتصال هاتفيًا بينهما، كانت دعمه وعزيمته القوية، لكنه القدر. تعقب الشابة بالقول: "عند اعتقاله، لم يكن يشكو من شيء، وكان بصحةٍ جيدة، إلا أن ظروف الاعتقال القاسية ومعاناته داخل السجن تسببت في إصابته بانسدادٍ في الشرايين وارتفاعٍ في ضغط الدم".

لم يكن سامي يشكو لغادة تدهور وضعه الصحي، بل لطالما سعى لأن يكون داعمًا قويًا لها، تمامًا مثلما كانت داعمة قلبه خلف قضبان "إسرائيل". ورغم أنها لم تحظ برؤيته منذ اعتقاله ولا مرة، إلا أنها كانت ترقب مضي العمر بهما، وتفاصيل ذلك الشيب الذي كان يغزو شعر سامي دونما رحمة ولو عبر اتصالٍ في الخفاء.

سامي وغادة تبادلا الحديث عن كل تفاصيل حياتهما، كسرا جدران العزلة رغم أنه عانى كثيرًا في التعامل مع الأجهزة الحديثة، وتشاورا في كل صغيرةٍ وكبيرة، وكأنهما يعيشان تحت سقف واحد.

تكمل: "كان سامي مرحًا طيبًا رغم كل الظروف التي يعيشها داخل السجن من ضيق الغرف، وازدحامها، واقتحامات جنود الاحتلال المفاجئة. كان طموحًا حتى داخل سجنه ففي عمر 26 عامًا، أكمل الثانوية العامة، ثم درس بكالوريوس التاريخ، ثم حصل على درجة الماجستير عام 2018م".

سامي الطموح، لم يترك اليأس يأكل قلبه، بل سعى للاستفادة من وقته عبر مواصلة التعليم، وحثّها على أن تفعل ذلك عندما يتحرر. حلُم الاثنان بعش الزوجية، وتخيّلاه سويًا، وحدّثا بعضهما بتفاصيله.. ماذا يريد كل واحد فيه؟ وكيف يراه؟

"ياسر عرفات، وفلسطين، ووطن، وتحرير" أسماء أبنائه الذين تمنى أن يشاركوه الحياة أحرارًا مع أمهم غادة التي رسم معها شكل يوم الزفاف بكل تفاصيله: فستانها الأبي وحتى بدلته السوداء.

لدى هروب أسرى نفق الحرية قبل عدة شهور من سجن جلبوع، وبدء اعتداءات جنود الاحتلال على الأسرى، هاتفته لتطمئن عليه، اكتفى حينها بالقول: "بس ادعولنا، الله يعيننا على اللي احنا فيه".

"لم يرغب بإثارة قلقنا أبدًا (تقول) لكن في آخر فترة كان متعبًا جدًا لدرجة أنه بكى"، وتكمل: "حاولتُ تهدئته وكتمت البكاء الذي أجهشت به، ثم أخبرني أن وضعه صعب وأنه يحتاج دواء للقلب نتيجة انسداد أربعة شرايين، وأن هذا الدواء غير موجود، ولم توفره إدارة السجن".

اضطر الشهيد سامي مؤخرًا لإخبار خطيبته بأنه لا يستطيع الحراك، وأنه يشعر بآلامٍ شديدة، وأنه ينتقل إلى المشفى عبر كرسي متحرك، ومع ذلك فالجندي لم يكن ليفك القيود عنه إلا عند دخوله المستشفى. "سامي تعرض لتعذيب متواصل، وسوء أوضاع السجون، هو السبب في تدهور وضعه الصحي".

كان يحب المقلوبة –تبتلع غصتها وتحكي- ذات يوم مازحته بقولي: ما زهقت منها، قال: أبدًا، لكنه كان يشتهي في أواخر مكالماتي معه أكل الخبيزة ولفة من الشاورما، "طلب مني أن أعدّ له الخبيزة بمجرد أن يخرج".

استشهد والد غادة بتاريخ 3 مارس 2018م، عندما أطلق عليه جنود الاحتلال الرصاص المتفجر حين كان يزرع أرضه، حينها كان سامي هو داعمها والسند. قال لها: "أنا أبوكي وأخوكي وسندك"، تعقب باكية: "الآن ذهب السند".

في ذات العام أنهى سامي رسالة الماجستير في تخصص التاريخ، فأخذت صورة حديثة له، وطلبت من استوديو تصوير تركيبها على زي تخرج، وقد فعل. حملت الصورة وقالبًا من الجاتوه، ودعوت كل عائلته لحضور حفل تخرجه في بيت أهله، يومها اتصل وفوجىء بصوت زغاريد خالته تنطلق عبر الهاتف.

تكمل: "كان رح يطير من الفرحة مش مصدق، لما شاف الصورة تفاجأ، قال يا ريتها حقيقية ما أحلاها".

كان سامي يطمح لإتمام شهادة الدكتوراه، وقد حاولت والدته تقديم أوراقه لدى جامعة فلسطينية،  لكن كان هذا يتطلب الانتقال من سجن نفحة إلى سجن آخر، وهو ما رفضه أصدقاؤه في السجن. تعقّب: "وها هو فارقنا جميعًا للأبد".

يوم الاثنين الماضي، كانت المكالمة الأخيرة بين سامي وغادة، حين بكى وكان متعبًا جدًا، ظلّت على قلقها، وفي ليلة الأربعاء لم تذق طعم النوم، وبينما تقلّب صفحات الفيس بوك فجرًا فوجئت بصورة سامي شهيدًا.

تعقّب:"لم أصدق الخبر، حاولت الاتصال بأي شخص لتكذيبه، تواصلت مع مؤسسات الأسرى، ومع عائلته، أردت أن يكذّب أحدهم الخبر دون جدوى".

تصمتُ قليلًا وتتنهد قبل أن تغرق في دوامة بكائها المر: "كان متعبًا لكن لم أتوقع رحيله، كنت أمنّي نفسي بشفائه ومواصلة انتظاره، ثم اكتمال الحلم بالحياة معه".

بعد كل هذا الحرمان، لم يعد من أمنية لغادة سوى أن تودّع خطيبها الشهيد، وتشارك في تشييع جثمانه الذي ما زال يحتجزه الاحتلال إلى جانب جثامين شهداء آخرين.

بقبلةٍ على صورة سامي شهيدًا تُغلق حكاية حب بدأت في بيوتٍ بسيطةٍ بغزة، وأنهاها الاحتلال بموتٍ وفراق خلف قضبانه.