شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 24 يناير 2022م06:40 بتوقيت القدس

هل يصمد أمام التطور الرقمي؟

عن "التلفزيون".. وذكريات "لمّة العيلة"

21 نوفمبر 2021 - 20:56

شبكة نوى، فلسطينيات: "حول هذه الشاشة الصغيرة نسجنا الكثير من الذكريات، هنا أجد رائحة جدتي" تقول ميسون عبد الله في وصفها التلفاز، هذه النافذة الصغيرة التي أطلت منها على العالم مذ كانت صغيرة، لا سيما وأنه كان يحتل زاويةً مميزة في الغرفة التي تقيم فيها جدتها.

السيدة التي تجاوزت الأربعين بعدة سنوات، ترى في "التلفاز" لمة العيلة، وتتذكر كيف كانت أمها وجدتها تجتمعان "وآنذاك لم يكن هناك سوى قنوات قليلة رسمية" فتتابعان برامج الطبخ في رمضان، وابتهالات ما قبل الإفطار، وبالعموم: كانت الثامنة مساءً موعد يحترمه الجميع "أبي وأمي، وإخوتي الشبّان، حيث كان يُعرض مسلسل عائلي" تقول.

وهنا تشرح: "كنا جميعًا نتعرض لنفس القيم، ونعيش نفس الأحداث والمشاعر، نتناقش في مضمون ما شاهدناه فيتحول المكان إلى ما هو أشبه بمقهى ثقافي. نضحكُ كثيرًا فلا تنتهي سهرتنا إلا بعد أن يقرر المذيع ذلك بقوله تصبحون على خير".

ويحيي العالم، يوم الحادي والعشرين من نوفمبر من كل عام، اليوم العالمي للتلفاز، الذي تم إقراره من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1996م، اعترافًا بالتأثير المتزايد للتلفزيون على صنع القرار، ذلك من خلال لفت انتباه العالم إلى النزاعات والتهديدات المختلفة للسلام والأمن، فضلًا عن تغطيته للقضايا الرئيسية الأخرى، بما في ذلك الاقتصادية والاجتماعية.

السيدة ميسون قارنت حال التلفاز في الماضي بحاله اليوم، "حيث أصبح أداةً شبه مهملة، لا يفتحه إلا من عايش الحقبة الذهبية له، الآباء والأمهات والجدّات، أما شباب اليوم –حتى الآباء والأمهات منهم- لا يكترثون لوجوده، ولا يكاد يعني لهم سوى ديكور" تردف.

وتكمل: "لقد احتل الهاتف كل الجمال في حياتنا، صارت المسلسلات متاحة في أي وقت، وفي أي مكان، كل واحد يحمل هاتفه ويجلس في غرفته يتابع مسلسلًا وربما يحادث صديقًا، أو يتجول عبر المواقع المختلفة، وهذا بالفعل أفقد للعائلة دفء المعنى"، مستدركةً: "لا أقول إن التلفاز هو أساس الترابط العائلي لكنه بأهميته الحقيقية كان ركنًا من أركان هذا الترابط، أو لعله سبب في شد وثاقه".

وتصف ميسون العلاقة بينها وبين التلفاز بالوطيدة، فهي تخشى أن يأتي اليوم الذي تجد نفسها وحيدةً فيه أمام شاشته، "ولهذا قررت منذ بدأ أطفالي يفهمون، تحديد وقتٍ من اليوم لمشاهدة شيءٍ ما مشترك" تضيف، مبينةً أنها تشاركهم الجلسة يوميًا إما لمشاهدة الرسوم المتحركة، أو لمتابعة مسلسلٍ مناسب "وهذا الأمر سهّله وجود شاشات تلفاز ذكية يمكن ربطها بالإنترنت".

وترى عبد الله أن التلفاز له نكهة خاصة في شهر رمضان المبارك: "كيف لا؟ ونحن نمضي  الدقائق الأخيرة في سماع وترديد الابتهالات الدينية التي تعرضها القناة الرسمية"، ملفتةً إلى أن مشاهدة التلفاز لا يجب أن تكون "كأداء الواجب"، بل "يجب أن يخضع كل ما يرد من مشاهد لمفهوم النقاش، وهذا ما يفتقده انزواء كل فرد من أفراد العائلة بنفسه مع هاتفه الذكي".

أما صفاء أحمد، فتقول: "ما زال يتوسط صالة المعيشة في منزلنا، لم يعد جهازًا صغير الحجم، بل تحول إلى شاشة تحتل نصف الحائط، لكن بالكاد يتم تشغيله، في زمن أصبح في قبضة يد كل فرد في أسرتنا هاتف ذكي، يحتوي على كل ما يمكن أن نبحث عنه، وما لا نبحث أيضًا".

تتابع:" رغم أن الهاتف اليوم أصبح يغني عن التلفزيون، لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال الاستغناء عنه بشكل مطلق، نفتحه ونتجمع حوله في أيام رمضان، يشعرنا بـ"لمة العيلة" في أوقات ذروة مشاهدته التي أصبحت نادرة ومرتبطة بمناسبات محددة وحسب".

بالنسبة لي –تكمل- التلفزيون أجده أقرب إلى القلب، الأفضل في اختيار القنوات التي أحب مشاهدتها، والارتباط بوقت المشاهدة الذي كان حتى سنوات قريبة يخضع لنظامٍ معين، فنشرة الأخبار الرئيسية، والمسلسل اليومي المعروف، وبرامج الأطفال التي كانت تحدد حصة كل فرد من أفراد الأسرة حسب التوقيت الذي يناسبه ويتناسب مع عمره وشأنه.

تستدرك: "لكن، ومع انطلاق الفضائيات والقنوات المتخصصة، منها ما هو للدراما، ومنها ما هو للأخبار، والأطفال أيضًا، أصبح المجال أكثر حرية في اختيار الأوقات، ففي كل الأوقات نجد برامج ومسلسلات للأطفال، كذلك الحال بالنسبة للأخبار، وهو ما جعل التلفاز يصمد حتى آخر رمق".

تفتقد أحمد اليوم تلك اللمة التي كانت تحظى بها الأسرة بعد أن أصبح لكل فرد من أفراد الأسرة جهاز ذكي موصول بالإنترنت، "لم نعد نلتقي على هذا المسلسل أو ذاك، ولم تعد تجمعنا سهرة آخر الأسبوع، أو حتى فيلم يوم الجمعة الشهير" تكمل.

بينما ترى سعاد أبو ختلة أن التلفاز ما زال حاضرًا رغم طغيان التكنولوجيا؛ وإن كان على استحياء في الجلسات العائلية، "ومع انتشار أجهزة التلفاز الذكية، أصبح التجمع حول الشاشة مختلف، حيث أصبح المُشاهد يختار عبر الباحث، ولم يعد يهتم بتغير تردد القنوات، ويشاهد عبر الإنترنت كل ما فاته، لم يعد وقت نشرة الأخبار مُقدّسًا، ولم تعد برامج الأطفال في وقت محدد".

وتخشى أبو ختلة أن يلحق التلفاز بالجرائد الورقية، ويصبح  مجرد ديكور في البيت، ملفتةً إلى أنها كما كثير من الأمهات، تفتقد في زمن الثورة الرقمية إلى الرقابة على الأبناء، "ففي ذلك الزمن، كانت مشاهدة التلفزيون بمثابة حدث عائلي، يشهد رقابة على البرامج والمحتوى الذي يشاهده الأبناء، ما يُشعر الأمهات بالطمأنينة، كما كانت النقاشات العائلية تزيد في أوقات المشاهدة، الأمر الذي كان يرسخ في الأبناء أفكارًا وقيمًا تتوافق مع فكر ذويهم، وقيم مجتمعهم".

وترى أبو ختلة أن جيل الثورة الرقمية، حُرم من طقوس مشاهدة التلفاز الخاصة وجلساته الحميمية، باعتباره نافذتنا على العالم.