شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 18 يناير 2022م22:19 بتوقيت القدس

الطبّ يبرّئ ساحته: ليس خطأ طبيًا

"خلع الولادة".. يد الطبيب أم "القدر"؟!

09 نوفمبر 2021 - 05:29

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يعش الشاب إسماعيل أحمد (اسم مستعار)، طفولةً طبيعية كباقي أقرانه في المدرسة أو الحارة، فقد كان يكره الذهاب إلى المدرسة مبكرًا حتى لا يلحق بالطابور الصباحي، فيلاقيه بعض المتنمرين هناك من الأطفال الأكبر منه سنًا، بالاسم الذي يكره: "يا أبو إيد".

وُلد إسماعيل بوزن أربع كيلوات ونصف، ولأن الحالة الصحية له حين ولادته كانت مقلقة مكث في الحضّانة فترة، وهنا أبلغ الفريق الطبي المتابع لحالته أهله بخلعٍ في كتفه دون التطرق إلى السبب، ثم نصحوهم بتحويله لطبيبٍ خاص مختص بهذه الحالات للإشراف عليه بشكلٍ مباشر.

وُلد إسماعيل بوزن أربع كيلوات ونصف، وقد أبلغ الفريق الطبي المتابع لحالته أهله بخلعٍ في كتفه دون التطرق إلى السبب

تعود والدة إسماعيل بالذاكرة إلى ذلك اليوم، وتتنهّد، ثم تتساءل باستنكار: "لا أدري لماذا لم يُقر الطبيب ولادتي بعملية قيصرية آنذاك، وهو الذي كان يعلم أن وزن الطفل كبير؟"، مؤكدةً أنها وزوجها لم يقدما أي شكوى لأي جهة رسمية "إذ لم نكن على وعي بالإجراءات القانونية، وتعاملنا مع الأمر على أنه نصيبه، وأن ما حدث كان قضاءً وقدرًا" تقول.

وتبعًا للشائع بخصوص "الخلع الولادي"، فإن هذا النوع من المشكلات التي تُكتشف في الأجنة لحظة ولادتهم، ترجع لأخطاءٍ طبية يُسأل عنها الطبيب الذي كان مشرفًا على عملية الولادة، لكن على ما يبدو فإن للطب رأيُ آخر يبرّئ ساحة الطبيب تمامًا من هذه المسألة، ويضع الخطأ الطبي في آخر احتمالات حدوثها! كيف ذلك؟ الإجابة تتبع:

"الطبيب مسؤول"

عودةٌ إلى إسماعيل الذي قاطع أمه بانفعال خلال لقائها بـ "نوى": "أنا على يقين بأن الطبيب هو الذي يتحمل مسؤولية ما حدث معي، هو من يحمل ذنب ما عشته طوال حياتي من ألم وتنمر وتحديات (..) كرهت المدرسة بسبب تعليقات زملائي، حتى أساتذتي حينما كانوا يريدون عقابي، يضربونني على يدي التي لم أكن أقدر على مدها في تمارين الصباح المدرسية".

قضى إسماعيل حياته بين أروقة المشافي، يجري العمليات الجراحية –آخرها قبل ثلاث سنوات في مصر- ويخضع لجلسات علاج طبيعي، منها ما تم داخل غزة، ومنها ما أُجري في الخارج، فتحسنت حالة يده حتى وصلت نسبة تحريكها إلى 70% بعدما كانت لا تتعدى 20% . يعقّب: "هذا بعد عملية زراعة بلاتين بين المفصل والكتف لتطويل الذراع".

تتشابه قصة إسماعيل مع قصص أخرى كثيرة لأشخاص عاشوا طفولتهم مع إعاقات رافقت نموهم بسبب تعرضهم لخلع الولادة، "بعضهم قدمت عائلاتهم شكاوى ضد الأطباء الذين أشرفوا على عمليات توليدهم، وآخرون فضلوا الصمت على قاعدة: "لا نريد مشاكل، هذا نصيبهم"، وليس على قاعدة أي معلومات طبية أو تغير في منحنى المعرفة بخصوص القضية –تبعًا لمن أكدوا ذلك لـ "نوى".

عائلة المولودة سماح عرفت بقضية الخلع بعد مكوث طفلتها في الحضانة 10 أيام

قصةٌ أخرى، حدثت قبل سنةٍ وتسعة أشهر، حيث فاجأ المخاض والدة الطفلة المصابة بخلع الولادة في منطقة الورك سماح مقداد. "لا أستطيع وصف فرحتي عندما أنهى الطبيب عملية التوليد، كنتُ متشوقةً لاحتضانها لكن.." تقول.

ما حدث مع والدة سماح لم يكن في الحسبان، فطوال أشهر الحمل كانت فحوصات الجنين والأم سليمة، لكن ماذا حدث عند الولادة؟

تشرح والدة زوجها: "رافقت زوجة ابني أم سماح لأحد المشافي الحكومية للولادة، كنا ننتظر الولادة على أحر من الجمر، أحمل بين يدي ملابس حفيدتي وأنتظر وأنا أتمتم الدعوات، وبينما أنا كذلك، لاحظت هرجًا ومرجًا، وحركة غير طبيعية بين الأطباء، لكن لم يخبرنا أحد بما يحدث، وبعد لحظات خرج أحد الأطباء وقال: مبروك أجتكم بنت زي القمر الحمد لله على السلامة".

قلب المرأة -كما تؤكد- كان يحدّثها بأن مكروهًا ما حدث، أسرعَت إلى كشك الولادة، فلم تجد الطفلة، بدأَت تتوسل إلى الممرضات حتى أخبرتها إحداهن: "ماتخافي يا حجة راحت للحضانة بس.. ادعليها".

أسرعت لرؤية حفيدتها، لكن هذا ممنوع، فذهبت إلى الاستقبال لتعرف اسم الطبيب الذي قام بتوليد كنتها إلا أن أحدًا رفض تبليغها باسمه، "وهذا أكد مخاوفي" تزيد.

تكمل: "عدنا إلى البيت دون سماح، وبقيت الطفلة عشرة أيام في الحضانة حتى بدأت تتحسن أخيرًا، ووقت موعد خروجها، أخبرونا بأنها تعاني من خلعٍ في الورك، وبحاجة لإجراء عملية بعد ستة شهور، بالإضافة إلى تركيب جهاز حديدي، مع ضرورة الخضوع لعلاج طبيعي".

تسريت بعض الأخبار لدى والد سماح بعد مراجعته حالة طفلته بأن خطأً طبيًا حدث أثناء التوليد أدى لخلع الورك، لكنه رفض تقديم شكوى "فخروج طفلته من الحضانة وإصراره على علاجها كان بالنسبة له الأهم" تردف الجدة.

"براءة الذئب من دم يوسف"

وبعد بحثٍ في العديد من القصص، كان معظم من التقتهم معدة التحقيق ممن يعايشون الخلع الولادي، يؤكدون أنهم "ضحايا أخطاء طبية، ارتكبها أطباء لم يتم محاسبتهم أصلًا، وما يزال بعضهم –إن كان حيًا- على رأس عمله". وهذا ما دفع إلى التوجه لوزارة الصحة.

د.مطر: الخلل تكويني وليس للولادة ولا لمن أجراها أي دخل في حدوثه على الإطلاق والتعاطي مع مفهوم خلع الولادة كخطأ طبي مرفوض كليًا

بعض المسؤولين هناك استجابوا للحديث فيما يتعلق بالأمر، ومن استجاب أكّد براءة "الطبيب" من أي علاقةٍ تُذكر في ما يتعلق بحالات خلع الولادة عمومًا "براءة الذئب من دم يوسف"، تمامًا كـاستشاري جراحة العظام والمفاصل والعمود الفقري في مجمع دار الشفاء الطبي، د.محمود مطر، الذي تسمية ما يحدث من خلع أثناء الولادة لأي طفل بهذه التسمية (خلع ولادة)، وقال: "المفهوم مغلوط لدى الناس عن طبيعة خلع الولادة، حيث يعده المعظم خطأ طبيًا وهذا مرفوض كليًا"، ملفتًا إلى أن المفهوم الصحيح له هو "خلع الورك التطوري، أو خلع النمو التطوري"، "وله عدة أسباب، لكن السبب المباشر غير معروف،  وهناك عوامل هرمونية، وصحية، وأخرى تتعلق بوضعية الجنين في الرحم".

ويرى الطب فعليًا أن إرجاع هذه الإشكالية الجسمانية إلى خطأ طبي، يعود للاسم المطلق عليها، مؤكدًا وجود أسبابٍ أخرى أعلى احتمالية!

وعدّ العامل الرئيسي لولادة الطفل مصابًا بخلع الولادة مجهولًا، إلا إذا توافرت بعض العوامل التي قد تزيد إصابة الجنين بها، وجعل "الخطأ الطبي في آخرها"، ومنها: التاريخ العائلي للإصابة بخلع الولاد، الجنس الأنثوي، قلة السائل الأمينوسي حول الجنين أثناء الحمل، مما يفقده قدرته على التحرك في الرحم بشكل طبيعي، الوضعية المقعدية للجنين أثناء الحمل، المولود الأول للعائلة نظرًا لضيق الرحم وقلة مرونته مقارنةً بحالة الرحم عند تعدد الولادات، وحالات التوائم، وولادة الطفل المبكرة، أو ولادته بوزن يزيد على 5 كيلوغرامات، ثم الخطأ الطبي –وهو وارد بنسبة قليلة!

ووصف الاستشاري مطر الخلع بـ"خلل في تكوين مفصل الفخد أو الذراع داخل الرحم، أثناء تطور الجنين، قائلًا: "ليس للولادة ولا لمن أجرى عملية الولادة أي دخل في حدوثه على الإطلاق".

وأضاف: "يوجد إصابات يتعرض لها الجنين ناتجة عن الولادة، مثلًا أن يكون الطفل كبير الحجم، والأم نحيفة، وغالبًا الولادة الأولى لها مخاطرها، فأثناء عملية الولادة يحدث ضغط على الطفل، فيحدث له بعض الكسور البسيطة، التي تصيب عظم الترقوة، أو عظم الفخد، لكن ليس للأمر أي علاقة بأي خطأ طبي".

وأكد د.مطر على أن الطبيب لا يتحمل أي مسؤولية طبية أو أخلاقية أو قانونية عن "الخلع الولادي"، ذاكرًا أن ما يسمى بخلع الولادة، له تبعات خطيرة على الطفل، "فهو يؤدي لتآكل ونمو المفصل في مكان غير مكانه الطبيعي، مما يسبب له العرج، أو الآلام المزمنة، التي تستدعي بالنهاية تبديل المفصل".

وأشار إلى أن مولودًا من بين كل ألف مولود يمكن أن يتعرض لـ "ما يسمى بالخلع الولادي" على المستوى العالمي، "والمواليد من الإناث هم أكثر عرضة ب4 أضعاف من الذكور".

وأقر د.مطر بورود شكاوى لأهالي "يدعون تعرض مواليدهم لخلع ولادة نتيجة خطأ طبي، ويطلبون مقاضاة الطبيب"، مردفًا: "لكن بمجرد التوضيح لهم بأن لا علاقة للطبيب بالأمر، وأن الأمر متعلق بالتكوين الخلقي للجنين، ينتهي الأمر".

"الخطأ الطبي وارد"

بدوره، أكد د.عبد الكريم الهنداوي، استشاري قسم النساء والولادة بمجمع عدوان الطبي، أن خلع الولادة قد يحدث للجنين بالفعل، ومن بين أسبابه: الخطأ الطبي الذي قد ينتج عن نقص خبرة الطبيب، أو عدم تمرسه الجيد في التعامل بهذا الجانب، وأحيانًا قد يكون بسبب عوامل وراثية، وأيضًا بسبب تعسر عملية الولادة.

د.الهنداوي: خلع الولادة قد ينتج عن خطأ طبي ناجم عن نقص خبرة الطبيب أو بسبب عوامل وراثية أو بسبب تعسر عملية الولادة

وأشار إلى أن الطبيب قد يخطىء أثناء الولادة لسببٍ ما، فينتج خلع ولادة، إما في الورك، أو في الكتف "وهو الأكثر شيوعًا خاصة في غزة، حيث يخرج المفصل الكروي، أي عظمة ذراع الطفل من التجويف الخاص بها في الكتف، فيؤدي لحدوث شدٍّ حاد في الأنسجة (العضلات والأوتار) المحيطة بها".

أما فيما يتعلق بخلع الحوض،  فأشار د.الهنداوي إلى أنه قد يحدث عندما يتم سحب الطفل من قدميه، "وهنا من الوارد أن يكون الأمر بسبب خطأ طبي إذا ما كان حجم الجنين كبيرًا"، قائلًا: "نواجه خلع الكتف، أكثر من خلع الحوض في مشافينا، فالثانية تحدث في حالة الولادات القيصرية، أما خلع الكتف فغالبًا يحدث في الولادات الطبيعية".

وأردف يقول: "جل من لا يخطأ"، عازيًا حدوث أخطاء طبية في هذا الجانب إلى نقص أجهزة الـ"ألترا ساوند" الموجودة في المشافي العامة، والمسؤولة عن قياس حجم الجنين، بالإضافة لقلة الخبرة لدى بعض الأطباء، أو تعسّر الولادة لأسباب عديدة.

وعن طبيعة التعامل مع الطبيب في هذه الحالة، "وفي حال ثبتت مسؤوليته عن المشكلة، يتم إرساله لدورة تدريبية لرفع مستوى خبرته، أو تحويله لقسم آخر وإسناده بكوادر جيدة، وأحيانًا يتم التعامل معه بوثائق رسمية مثل التنبيه ولفت النظر"، وحسب درجة الخطأ الطبي –يكمل- يتم التعامل مع الطبيب "وأحيانًا تُحل بشكل ودي، بعد توضيح ما حدث للمتقدم بالشكوى، وفقًا للتقرير الطبي الصادر عن اللجنة الطبية المكونة غالبًا من استتشاريين في مجال أمراض النساء والتوليد، والتمريض، ومختصين من وزارة الصحة أيضًا".

ووفق المادة (19) من قانون الصحة والسلامة الذي أُقر عام 2018م، يعرف الخطأ الطبي على أنه ما يرتكبه مزاول المهنة، ويسبب ضررًا لمتلقي الخدمة نتيجة أي من الأسباب الآتية: 1.الجهل بالأمور الفنية المفترض الإلمام بها من كل من يمارس المهنة من ذات درجته وتخصصه، 2. عدم اتباع الأصول والقواعد المهنية الطبية والصحية المتعارف عليها، 3. عدم بذل العناية اللازمة، 4. الإهمال والتقصير وعدم اتباع الحيطة والحذر.

ووفق المادة رقم (23) من القانون نفسه، فلا تمنع المسؤولية الجزائية والمسؤولية المدنية المترتبة على الخطأ الطبي من المساءلة التأديبية بعد المحاكمة، التي يتولاها مجلس يشكل بقرار من الجهة المختصة بالنقابة، ويجوز لها توقيع العقوبات التأديبية، وفقًا لقانون النقابة المختصة، "لكن حتى الآن لم يتم تطبيق القانون في قطاع غزة".

الأمر يعتمد على الدليل

وللتحقق من القضية أكثر، توجهنا إلى الدائرة القانونية في وزارة الصحة، وهناك، أكد مستشار الدائرة سعيد البطة، على ضرورة وجود إثبات فيما إذا كان خلع الولادة ناتج عن خطأ طبي أو لا.

شبكة نوى، فلسطينيات: البطة: "لو تم فصل كل طبيب يحدث معه حالة خلع أو أي خطأ طبي غير مقصود لن يتبقى أطباء في الوزارة".

وقال: "قد يحدث خلع ولادة نظرًا لأسباب تتعلق بالجنين وحالة الأم، وقد يكون هناك إجراءات كان يتوجب اتخاذها من قبل الطبيب نفسه قبل البدء بعملية الولادة من باب أخذ الحيطة والحذر والسلامة"، فإذا ثبت –والحديث للبطة- أن الطبيب لم يتبع الأصول العلمية الصحيحة أثناء التوليد "بعد مراجعة الحالة"، يتم اتخاذ إجراءات قانونية بحقه.

وأوضح أن الإجراءات تشمل: تشكيل لجان مكونة من ممرضين، ورؤساء أقسام، وأطباء من خارج أقسام الصحة، وذلك من باب الحيادية والنزاهة. وبعد أن تقوم اللجنة بالتحقيق، يتم التواصل مع الأهالي الذين قدموا الشكوى، لأخذ إفادتهم والتحقيق مع الطاقم الطبي كله الذي أشرف على الحالة.

وزاد على ذلك قوله: "نقدم تقريرًا لوكيل الوزارة، يتم اعتماده ويُعطى مقدم الشكوى النتيجة التي توصلت إليها اللجنة"، ملفتًا إلى أنه من الوارد علميًا أن تحدث أخطاء طبية، أو مضاعفات في أي تعامل مع المرضى، سواءً كانت الولادة بعملية قيصرية، أو طبيعية، ومن ضمن هذه الأخطاء ما يسمى بـ "خلع الولادة".

وبشأن أطباء تكررت حالات خلع الولادة في الولادات التي كانوا يشرفون عليها، بيّن البطّة أن قانون العقوبات الفلسطيني لم يذكر عقوبةً بعينها فيما يتعلق بالأخطاء الطبية، "لكنه أشار إلى أنه إذا تبين وجود أي مخالفة للموظف الحكومي في وزارة الصحة، سواء أطباء أو خلافه، توقع عليه العقوبة".

البطة: الفصل للطبيب الذي تتكرر بحقه شكاوى "الخلع" غالبًا لا يحدث، فهو المرحلة الأخيرة من 10 عقوبات تسبقه

وأكمل: "وزارة الصحة تطبق العقوبة المتناسبة مع حالة المخالفة، وفق المادة (68) من قانون الخدمة المدنية، التي تضمن 10 عقوبات آخرها الفصل، الذي غالبًا لا يحدث إلا في قضايا كبيرة بحق موظفي القطاع العام، والصحة كالسرقة والاختلاس".

وعلق بقوله: "لو تم فصل كل طبيب يحدث معه حالة خلع واحدة، أو أي خطأ طبي غير مقصود لن يتبقى أطباء في الوزارة".

وعن كيفية التعامل مع الشكاوي التي ترد في هذه القضايا، ذكر البطة أن الصحة تراقب سجل الشكاوى باستمرار وتتعامل بجدية مع كل حالة وفق التقرير الطبي لها، وبشكل قانوني. ولفت إلى أن  وزارة الصحة دفعت مؤخرًا تعويضات لمن قدموا شكاوي في المحاكم ضد الأخطاء الطبية.

اعتماد نتائج لجان التحقيق الفنية

لكن علاء سكافي، المدير التنفيذي بمؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، أشار إلى تراجع عدد مقدمي الشكاوى للجهات الحقوقية بخصوص قضايا خلع الولادة مقارنةً بالأعوام السابقة، "ليس لأن الحالات قلّت، بل لأنهم يدركون أن تقديم الشكوى بات بلا جدوى".

وخلال متابعته لقضايا خلع الولادة، يوضح أنها تعتمد نتائج لجان التحقيق الفنية من لجان "الصحة"، بناءًا على قرار من وكيل الوزارة، حيث لا تحمل المسؤولية للطواقم الطبية، أو المشافي العامة "الحكومية" التي تتبع وزارة الصحة، قائلًا: "في كثير من الحالات، قُدمت شكاوى من مواطنين لجهات حقوقية، بشكل مباشر، فنقوم بدورنا بتقديمها للنائب العام، فيحوّل القضية إلى وزارة الصحة، التي تشكّل بدورها لجان تحقيق فنية للمضي بالقضية.

وأكمل يقول: "في معظم الحالات، لم ترتق نتائج التحقيق لمستوى الخطأ الطبي الواقع على الضحية، مؤكدًا أن حالةً واحدة مرت عليه، تم فيها تحميل الطبيب المسؤولية في الخطأ الطبي الذي ارتكبه، "لكن العقوبة كانت إدارية أكثر من كونها جنائية، وفقًا لقانون الخدمة المدنية".

وبين أن السبب الرئيسي لما يحدث بخصوص الأخطاء الطبية بالعموم، هو غياب تشريعات قانونية تخصها منذ وقتٍ طويل، وعدم وجود قاننٍ ناظم يسري على الطواقم الطبية، "بالإضافة إلى الانقسام الداخلي –على مدار 15 عامًا- إذ دخل موضوع الأطباء ضمن المناكفات السياسية بين حكومتي غزة والضفة، ما تسبب بتعيين أطباء دون كفاءة، أو بالواسطة، ناهيك عن إخفاء الإهمال أو التقصير الذي يحدث أحيانًا داخل أروقة المشافي.

وأردف يقول: "عام 2018 تم تقديم مشروع قانون حول المسؤولية الطبية، عن طريق كتلة التغيير والإصلاح في المجلس التشريعي بغزة، لكن لم يحدث"، مؤكدًا أن لا قانون يحكم أي مشكلة تنتج على يد طبيب، "لكن يتم الاعتماد أحيانًا على القواعد العامة للقانون، المتعارف عليها بين القانونيين والحقوقيين".

وفي غزة يطبق قانون العقوبات منذ عهد الانتداب البريطاني، وهو يخلو من النصوص التي تجرم الإهمال أو التقصير الطبي بشكل واضح وصريح،  ويتم الاعتماد على قانون الإجراءات الجزائية في مثل تلك القضايا، رغم أنه لا يتطرق أيضًا لموضوع الأخطاء الطبيةـ بشكل واضح وصريح.

كما أن هناك بعض النصوص التي يستند بعض المحامين إليها لتحميل المسؤولية للجهة المتسببة بالضرر، والعقوبات إما أن تكون مدنية، فيحكم فيه بالتعويض، أو جنائية "بسبب الضرر المباشر الذي يمس بجسد الإنسان".

ويشدد اسكافي على أن غياب القانون سبب في عدم تشكيل أداة رادعة، كونه لا يحمل الأطباء المسؤولية تجاه الأخطاء الطبية، "وهنا يذكر بالمقولة الشهيرة: من أَمِن العقاب أساء الأدب".