شبكة نوى، فلسطينيات
gaza2023
اليوم السبت 15 يونيو 2024م13:53 بتوقيت القدس

يتذرعون به كـ"عقاب" للعودة إلى حضن المجتمع..

قتَلَة نساء غسلوا أياديهم.. بالحُكم المخفف!

03 نوفمبر 2021 - 09:39

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

برصاصة واحدة استقرّت في رأسها، أنهى "سعيد" )اسم مستعار( حياة زوجته تحت ذريعة "كنت بمزح"، ذلك بعد ثماني سنوات عاشتها برفقته في فقرٍ وذلٍ وإهانة.

تبعًا لمن عايش قصتها، باءت محاولات الزوجة الراحلة للهرب من بيت زوجها –الذي انتهج ضدها العنف النفسي والجسدي- بالفشل، عندما كان يردّها إلى بيته في كل مرةٍ بذات الحجة: "كنت بمزح معها".

نهاية قصة زوجة سعيد كتبتها "رصاصة" –قال إنها انطلقت من سلاحه بالخطأ- أودت بحياتها، وزجّت به في السجن عامًا ونصف فقط! ليخرج بعدها ويمارس حياته بشكل عاديٍ للغاية، وكأن شيئًا لم يكُن.

رغم النهاية المؤلمة، إلا أن عودة الزوج إلى حياته الطبيعية كان موجعًا أكثر، عندما بدأ البحث عن عروسٍ جديدة، وعاد إلى عمله بعد أن تزوّج، لا سيما وقد أنهى الحكم العام، وعقد الصلح مع أهل الضحية –وهي ابنة عمه- ودفع الدّية.

من الممتلكات!

زوجة سعيد ليست الوحيدة التي فارقت الحياة على يد رجلٍ ينظر إلى وجودها في الحياة كما ينظر إلى كرسيٍ أو طاولةٍ في بيته! هي واحدةٌ من 38 امرأةً قُتلت خلال عام 2020م في الأراضي الفلسطينية.

منذ مطلع العام الجاري، سُجلت 4 حالات قتل لنساء في الضفة، وحالتين في قطاع غزة

ومنذ مطلع العام الجاري، سُجلت 4 حالات قتل لنساء في الضفة، وحالتين في قطاع غزة، بحسب إحصائيات مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي.

الأخطر من الجريمة هو طمس آثارها، وعودة مرتكب الجُرم للاندماج مع محيطة المجتمعي بشكلٍ طبيعي، وتجاهل الضحية على اعتبار أن ما حدث "جريمة وانتهت"!

حاولت "نوى" التقصي أكثر عن حياة الجناة "ما بعد الجريمة". تحديدًا، بعد إقفال الملف الجنائي، وخروج الواحد منهم من السجن.

في هذه الزاوية من قضايا قتل النساء تظهر الجريمة بشكل أكثر بشاعة وقسوة، حيث أن جميع من ارتكبوا جرائم قتل بحق نساء بالكاد يقضون أعوامًا قليلة في السجن امتثالًا للحق العام، وبعضهم قد يقضي بضعة أشهر، خاصة إذا ما أُلصقت الجريمة بـ"قضية شرف".

نعود إلى "سعيد"، الذي رفضت زوجته الجديدة، أو أي من أفراد أسرته الحديث عن الجريمة، تحت مبرر: "حدثٌ قديمٌ وانتهى"، لكن كان صادمًا لـ"نوى" أن يوصَفَ الرجل من قبل الزوجة بـ"الصالح"، وأن ما حدث مع زوجته الأولى "قضاء وقدر"، و"جريمة بدون قصد، أو في لحظة انفعال"، مؤكدةً أنه نال عقابه بالسجن وانتهت القضية.

زوجة سعيد في معظم جلساتها تتحدث عن أخلاقه الحميدة، وكرمه، وتعامله الحسن معها ومع كل من يعرفه

معدّة التحقيق عرفت من أحد أقارب "سعيد" (من غير الدرجة الأولى)، أن زوجته في معظم جلساتها تتجنب الحديث عن المغدورة أو القضية، بل وتحاول الحديث عن أخلاقه الحميدة، وكرمه، وتعامله الحسن معها ومع كل من يعرفه، مع عدم نفيها أنه قد يكون له بعض الانفعالات العنيفة أحيانًا.

ويقول: "تصفها بالانفعالات الطبيعية، وتبررها بالقول: هو عصبي شوي، لكنه حنون جدًا، ويحب أطفاله وأسرته".

الزوجة ذاتها –والحديث لقريب الزوج- تناقض نفسها حينما تشتكي بين الحين والآخر لمقرّبات، من بعض الاضطرابات التي تلحظها في سلوك زوجها القاتل، التي تترجم أحيانًا بعصبية مفرطة، وأحياناً أخرى بكوابيس تحرمه النوم.

أخذته الحمية!

خلال إعداد التحقيق، تعثّرت "نوى" بقصصٍ أخرى في أروقة المحكمة، كان من بينها قصة الشاب أحمد (27 عامًا)، الذي قتل عمته بذريعة "الشرف"، بعد أن استدرجها ليلًا، وربطها بحبلٍ بلاستيكي، ثم ضربها رأسها بـ "الشاكوش".

بعد أن قتلها، أبلغ عائلته بالجريمة ثم سلّم نفسه للشرطة، وادعى أنها على علاقةٍ غير شرعيةٍ بشاب، وتتحدث معه عبر "واتساب"، وترسل له صورها الشخصية، وهذا ما يجعله –حسب العارفين بقصته- فخورًا بفعلته، بل ويرى أنه "غسل عاره بيده".

قبل أن ينطق القاضي بالحكم، تنازل جدّه وأعمامه "أولياء الدم" عن القضية، وأمضى ستة أشهر إضافية –هي للحق العام.

أمضى القاتل داخل السجن بضعة أشهر، حيث جرى التحقيق معه في المباحث، ثم في النيابة العامة، وقبل أن ينطق القاضي بالحكم، تنازل جدّه وأعمامه "أولياء الدم" عن القضية، وأمضى ستة أشهر إضافية –هي للحق العام- بدلًا عن دفع غرامة مالية تصل قيمتها إلى ألف دينار.

مضت المدة وخرج لحياته الطبيعية، وبعدها بثلاث سنوات، تزوج من ابنة خالته وأنجب طفلة، لكن لم يقبل به أحد في العمل رغم أنه أنهى دراسة "التصميم"، حتى فتح له والده "دكانًا" صغيرة.

هذا القاتل يعيش اليوم حالةً من العزلة، بعدما بات الكثير من المحيطين به يخشون التعاطي معه نتيجة حالته العصبية وسلوكياته العنيفة، خاصة في حال ذكرت حادثة القتل أمامه، حيث يبدأ بالمكابرة والتباهي بفعلته، لا سيما حين يقول بعلو صوته: "لا يوجد امرأة تقول لي لا".

وحين يغضب أو يتعارك مع الجيران، يكون أول ما ينفثه في وجوههم التهديد بالقتل، ثم التعقيب بتهكم وعدم اكتراث: "بطلع منها زي الشعرة من العجينة".

تباهي بضعف القانون

حالة التباهي بالجريمة قد تكون مبررة بالنظر إلى القانون الذي لا يؤدي الغرض الأساس منه وهو الردع، حيث تقف النساء الفلسطينيات أمام تشريعات قانونية رثّة، نصوصها متداخلة دون انسجام، وبعضها يعود إلى العهد العثماني، والانتداب البريطاني، إضافةً إلى القانونين الأردني والمصري، وهما لم يعودا متوافقين مع الواقع البتة.

ولا يزال قانون الأحوال الشخصية الأردني نافذًا في الضفة الغربية، وقانون أحكام العائلة المعمول به في قطاع غزَّة يتضمن أحكامًا مميزة ضد المرأة.. أما التعديلات التي أدخلتها السلطة الفلسطينية على القانون لأجل حماية المرأة، فلا يزال القضاء هو المتحكم بإصدار العقوبات التخفيفية بخصوصه.

ما زالت السلطة التقديريّة للمحاكم في الاستناد إلى نصوص قانونيّة أخرى أحد أسباب تخفيف العقوبة

وينص قانون العقوبات الساري في القطاع في المادة (18) التي يعتمد عليها القضاة للتخفيف من عقوبة جرائم القتل على "جواز قبول المعذرة في ارتكاب فعل، أو ترك آخر يعتبر إتيانه جرمًا لولا وجود تلك المعذرة، إذا كان في وسع الشخص المتهم أن يثبت بأنه ارتكب ذلك الفعل أو الترك درءاً لنتائج لم يكن في الوسع اجتنابها بغير ذلك، والتي لو حصلت لألحقت أذى أو ضررًا بليغًا به، أو بشرفه، أو بماله، أو بنفسه، أو بشرف أشخاص آخرين ممن هو ملزم بحمايتهم، أو بمالٍ موضوع في عهدته، ويشترط في ذلك أن لا يكون قد فعل أثناء ارتكابه الفعل أو الترك، إلا ما هو ضروري، ضمن دائرة المعقول لتحقيق تلك الغاية، وأن يكون الضرر الناجم عن فعله أو تركه متناسبًا مع الضرر الذي تجنبه".

وما زالت السلطة التقديريّة للمحاكم في الاستناد إلى نصوص قانونيّة أخرى أحد أسباب تخفيف العقوبة، ومن ذلك صكوك الصلح العشائريّ التي يسقط من خلالها المجني عليه حقه الشخصيّ.

وقد دأبت المحاكمُ النظاميّة على اعتبار صكوك الصّلح، الصّادرة عن رجال الإصلاح، ظرفًا مُخفِّفًا لعقوبة الجاني، كونها تعني إسقاط الحق الشخصي للمجني عليه، وتعزز طلب الإفراج عن المُتهمين بكفالة؛ باعتبار أن ذلك لا يشكل خطورةً على النظام العامّ؛ ويساهم في الحفاظ على السّلم الأهليّ.

وبحسب الحقوقي صلاح عبد العاطي، فإن نص القانون فضفاض، ولا ينص على جريمة بعينها، الأمر الذي يجعل من عبارة: "لو حصلت لألحقت ضررًا كبيرًا في شرفه، أو شرف أشخاص آخرين"، مدخلًا لإيجاد الأعذار المُخففة للقاتل، الذي يرتكب جريمة بحق فتاة أو امرأة من عائلته.

وقال لـ"نوى": "هذا يظهر في تقييم تعامل القضاء الفلسطيني طوال عقد ونيف من الزمن، مع قضايا قتل على ما يسمى بجرائم الشرف، حيث أن معظم القضايا التي تم إصدار أحكامٍ فيها، كانت عقوباتها مخففة على الجناة، رغم أن القانون يحث على أن تكون ضمن قضايا قتل النساء قضايا قتلٍ عمد، فهي لا ينطبق عليها حالة الضرورة أو المفاجأة، لأن جميع جرائم القتل على خلفية الشرف لا تحدث في حال تلبس، بل بناء على شائعات يسمعها الأب او الأخ قبل التيقن –على الأغلب".

وأضاف: "هناك حالات، يتم القتل فيها بناءً على تحريضٍ وأقوالٍ وشائعاتٍ مغرضة، وحتى لو تأكد ذلك، فإن القانون لا يعطي أي أحقية بالقتل! وأحيانًا تُقتل المرأة لدوافع تتعلق بالإرث، أو بالحقد الشخصي.

عبد العاطي: قوانين العقوبات السارية في فلسطين ما زالت تمنح رخصةً قانونية للقاتل.

ويؤكد عبد العاطي أن قوانين العقوبات السارية في فلسطين ما زالت تمنح رخصةً قانونية للقاتل، "فليس أمام القتلة أي رادع قانوني يمنعهم من ارتكاب جرائمهم، فهم يتمتعون بحصانة قانونية من خلال الأعذار المخففة، فالقاتل –على خلفية الشرف على سبيل المثال- يعلم أنه سيقضي بضعة أشهر في السجن، وربما لن يعاقب، بحجة قيامه بعمل بطولي هو غسل عاره" يزيد.

الأكثر دموية

ويمكن القول "إن الأعوام الأربعة الأخيرة كانت الأكثر دموية، إذ شهدت ارتفاعًا في حالات قتل النساء، عندما ارتفع عدد الجرائم عام 2017م  لـ 29 حالة قتل نساء، بينها 16 في غزَّة.

وبحسب إحصائيات رسمية أصدرتها الشرطة الفلسطينية: فقد شهد العام 2018م، تراجعًا في الجريمة بشكلٍ عام في المحافظات الشمالية؛ حيث بلغت الحصيلة 24 جريمة قتل، منها 12% ضد نساء على خلفية ما يسمى بـ"قضايا الشرف".

وفي عام 2019م -وفقًا لدراسةٍ أعدّها المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية- بلغ عدد حالات قتل النساء في الأراضي الفلسطينية 23 حالة.

ارتفع عدد الضحايا من النساء عام 2020 في ظل جائحة كورونا إلى (38)، موزعة على الضفة الغربية وقطاع غزة

وارتفع العدد عام 2020 في ظل جائحة كورونا إلى (38)، موزعة على الضفة الغربية وقطاع غزة، ومنذ مطلع العام 2021م، وحتى اللحظة، سُجلت 4 حالات قتل في الضفة، وحالتين في قطاع غزة.

"نوى" اطّلعت على عددٍ من ملفات قضايا قتل النساء في محكمة بداية غزة، لتكتشف أن تفاصيل الجرائم كانت متنوعة، كذلك الأدوات المستخدمة في القتل، لكنها كلها تجتمع في قاسم مشترك هو تعرض أغلب النساء للعنف والتعذيب قبل القتل.

وفي قصةٍ أخرى، وبدلًا من أن يتسامر "علي" (17 عامًا) مع شقيقته "شهد" (اسم مستعار) التي تصغره بعامين، ويتجاذبا أطراف الحديث كما يفعل الأخوة بشكلٍ يومي، كان بدعمٍ من والده "يقف لأخته ع النقرة"، فهو الشقيق الوحيد لخمس بنات، يحدد لهن ماذا يفعلن؟ متى يخرجن؟ ومتى عليهن العودة؟!

الواقعة التي جرت قبل ثلاث سنوات في قطاع غزة، كانت على حد توصيف الشاب ووالده، مجرد "خناقة ولاد صغار"، حين كانت تسير "شهد" في طريقها فأوقفها أحدهم ليسألها عن موقع أحد المحلات، ليلمحها شقيقها الذي ظنَّ أن بين الاثنين شيء! وهنا هجم على الشابّ وأبرحه ضربًا بمساعدة أولاد عمه، ثم هرع إلى البيت يلاحق شقيقته التي أشبَعَها ضربَا.

بقيَ على هذا الحال أسبوعًا كاملًا يحقق معها لمعرفة "ما بينها وبين الشاب"، وبينما كانت تؤكد أنها لا تعرفه، ولا تذكر حتى ملامحه، كان هو ينصت إلى همهمات أبناء عمه الذين شهدوا الواقعة وكالوا في رأسه الشكوك.. هكذا حتى قتلها!

ربط الشاب أخته بحبل الغسيل ثم كتم أنفاسها وطعنها عدة مرات، ثم خرج من غرفتها يردد "غسلت شرفي"

ربط الشاب أخته بحبل الغسيل ثم كتم أنفاسها وطعنها عدة مرات، ثم خرج من غرفتها يردد "غسلت شرفي".

شهدت أمها وكل من في الحي على أخلاق "شهد" العالية، وحتى والدها صُدِم من فعلة ابنه رغم أنه كان دومًا يعزز في رأسه فكرة أنه "راجل".

لم ينم الملف في أروقة المحاكم عامًا حتى! فخلال عدة أشهر أوقف المتهم، وأخذ حكمًا بالسجن لمدة عام "وهو الحق العام"، بعدما تنازل والده عن القضية بصفته ولي الدم، وخرج من السجن "بطلًا" بنظر أولاد عمه، لكنه بقيَ هشًا مكسورًا أمام سكان الحي –حسب شهادات العديد منهم.

وبعد التقصي والبحث عن حالة المتهم، تبيّن أنه ورغم مرور سنوات على الحدث، إلا أنه يعيش في وضعٍ نفسيٍ سيئ، فقد حاول الانتحار عدة مرات، ودومًا يرى الكوابيس، حتى أنه لم يستطع أن يكمل دراسته رغم محاولات عائلته تقديم الدعم له، "هو صامتٌ طوال الوقت يردد اسم شقيقته ويبكي".

لم تنعكس الواقعة على المتهم وحده بل على بقية شقيقاته اللواتي أصبحن يخشين الاقتراب منه أيضًا، أما الأم التي دافعت عن شرف ابنتها وتنازلت عن القضية من أجل ابنها، انفصلت عن زوجها لتتفكك أسرة بأكملها، وذلك بسبب أب حاول تسليط ابنه على شقيقاته ظنًا منه بأنه يصنع "رجلًا".

تبرير مجتمعي

انعكاسات جرائم قتل النساء على الجناة متباينة بحسب السّمات الشخصية، والبيئة التي تحيط بهم، الأخصائي النفسي إسماعيل أبو ركاب قال لـ"نوى": "الأمر شائك جدًا، فمن جهة يحاول القاتل أن يظهر أمام المجتمع بصورة الإنسان الطبيعي، وأن يستمر في حياته، ويتعامل مع ذويه ومحيطه بشكل عادي، لكن في الحقيقة لا يوجد قاتل سواء ارتكب جريمته بقصد أو بدون قصد يعيش متزنًا انفعاليًا".

وأضاف: "كل من ارتكب جريمة قتل يعاني من اضطراباتٍ نفسيةٍ واجتماعية، لكنه يحاول أن يبرر جريمته بأنها قضاء وقدر، وأنه لم يكن متزنًا لحظة ارتكابها".

 القاتل "غالبًا ما يحاول استغلال الحكم المخفف وقضاء فترة العقوبة، بأنه أخذ عقابه، فيبرر لنفسه ولمجتمعه ما حدث

وحول تبرير الجريمة أمام المجتمع، أوضح أبو ركاب أن القاتل "غالبًا ما يحاول استغلال الحكم المخفف وقضاء فترة العقوبة، بأنه أخذ عقابه، فيبرر لنفسه ولمجتمعه ما حدث، ويظن أنه بذلك يظهر كإنسانٍ طبيعي، يمكن أن يمارس حياته بشكل عادي، ويتقبله المجتمع".

وشدّد على أن كل من ارتكب جريمة قتل، هو "إنسان غير سوي من الداخل، ويعاني من أزماتٍ نفسية وكوابيس، واضطرابات في النوم، واكتئاب، وبعضهم يحاول إيذاء نفسه أو الانتحار".

ولفت أبو ركاب إلى أن نظرة المجتمع الفلسطيني لقتل النساء تغيّرت كثيرًا عن السابق، وفي ظروف القتل الجميع يدين، وتبقى هناك بعض العائلات التي قد تتقبل قتل المرأة تحت مبرراتٍ معيّنة  "خاصةً الشرف"، مستدركًا: "لكن هناك حالة من الوعي تشكّلت حديثًا، باتت تجند المجتمع لرفض قتل النساء لأي سببٍ كان".

وحول مدى تجريم المجتمع للرجل، يرى أبو ركاب أن التعاطف مع الرجل أمرٌ طبيعي بالنظر للمجتمعات الشرقية التي ما زالت تفضل الذكور على الإناث، "ولكن ليس بالحدة التي كانت موجودة سابقًا".

في النهاية، المجتمع بالنسبة للقاتل هو عائلته وأقاربه، وهؤلاء يرون أنه أخذ عقابه بالحكم المخفف

وقال: "في النهاية، المجتمع بالنسبة للقاتل هو البيئة المحيطة به، بمعنى أنهم عائلته وأقاربه، وهؤلاء يرون أنه أخذ عقابه بالحكم المخفف، وأن المرأة التي قتلها كانت ملكه، وأن الجريمة تأتي في إطار يشبه تصرفه بأي شيءٍ من ممتلكاته، وتحت هذه المبررات، تتقبله البيئة المحيطة به، وتتصرف معه كإنسان عادي".

ولفت إلى أن المجتمع الفلسطيني ما زال يؤمن ويتمسك بالحل العشائري، وغالبًا ما يتم الضغط على ولي الدم للتنازل وعقد الصلح، وتحت هذا المبرر يتمكن القاتل من الإفلات من العقاب، ويبقى الحق العام فقط.

يعقب: "كل قضايا قتل النساء تتم معالجتها بهذه الطريقة، ما يجعل القاتل، أو من يملك نية القتل، يتأكد من إفلاته من العقاب"، مؤكدًا أن هذا ينفي مسألة الردع، "وهنا نقف على السبب الرئيس في ارتفاع حالات قتل النساء".

أما عن قدرة القاتل في الانسجام مع محيطه المجتمعي "فهذا مرهونٌ بدرجة ثقافة المجتمع ووعيه، والبيئة التي تجري فيها الجريمة" يكمل.

بدوره، يقول الأخصائي الاجتماعي عطا أبو ناموس: "لا يمكن الحكم على طريقة تعامل المجتمع مع قاتل المرأة بطريقةٍ واحدة، خاصةً وأن المجتمع يتكون من فئات مختلفة في درجة وعيها وثقافتها"، مشيرًا إلى وجود فئة في المجتمع، "ما زالت تبرر للرجل قتل المرأة، خاصةً في ما يتعلق بالقضايا الأخلاقية".

وشدّد على أن الرجل الذي يقتل امرأة، خاصةً زوجته أو أخته أو ابنته، من الصعب أن يعود للانسجام مع البيئة المحيطة به بشكل طبيعي مهما أظهر من اتزان وثبات انفعالي، قائلًا: "يعيش أزمة نفسية بينه وبين نفسه، خاصةً وأن الدين يدين جريمة القتل تحت أي مبرر، وبالتالي ليس من السهل أن يعيش حياته بشكل طبيعي".

ولفت أبو ناموس إلى أن القاتل يبقى في نظر المحيطين به "قاتلًا"، والمجتمع يلصق به هذه الصفة أيًا كانت مبرّراته، "فيما تبقى العائلة، وكل المحيطين به يتناقلون قصة الجريمة لعدة أجيال".

أبو ناموس: مستوى الرفض المجتمعي لقتل النساء يرتفع بشكلٍ ملحوظ، مع ارتفاع درجة الوعي بمكانة المرأة وحقوقها ودورها

وتبعًا لأبو ناموس، فإن مستوى الرفض المجتمعي لقتل النساء يرتفع بشكلٍ ملحوظ، مع ارتفاع درجة الوعي بمكانة المرأة وحقوقها ودورها، "وتكرار حوادث قتل النساء بات يشكل صدمةً مجتمعية، ما يساهم في رفع مستوى الرفض المجتمعي لهذه الجرائم ومرتكبيها".

وإذا كان الخلل القانوني وغياب المحاسبة الجدية والصارمة هو ما يؤدي لارتفاع وتيرة جرائم قتل النساء، فإن القبول المجتمعي –ما بعد الجريمة- والتبرير للقاتل واستيعابه كشخص طبيعي –إلا لدى من رحم الله- يمنحه "صك غفران" يسمح له بمواصلة حياته بشكل عادي، ولو على رفات الضحية!

كاريكاتـــــير