شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 26 يناير 2022م20:00 بتوقيت القدس

104 أعوام على وعد بلفور.. رسالةٌ شرّدت شعبًا!

02 نوفمبر 2021 - 16:28

غزة:

تتنقّل الطفلة سارة أبو عساكر (14 عامًا) بين العديد من مقاطع الفيديو التي تتحدث عن وعد بلفور في "يوتيوب"، وتستمع بتركيز إلى كل معلومة تَرِد فيها.

من قلب بيتها في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، تجيب سارة عن سؤال "نوى" حول ما إذا كانت تعرف شيئًا عن هذا الوعد، متساءلةً باستنكار: "ومن لم يسمع بهذا الوعد المشؤوم؟".

في المدرسة –تقول الفتاة- عرفنا كل ما حدث، وصُعقنا عندما أخبرنا الأساتذة أن هذا الوعد كان سببًا في هجرة مئات آلاف الفلسطينيين من مدنهم وقراهم الأصلية، حتى أصبحوا من ذلك الحين "لاجئين" في أصقاع الأرض، ينتظرون غوث الجهات الأممية والمساعدات الدولية.

تعيش سارة في المخيم كلاجئةٍ من قرية أجدادها قضاء الرملة (يبنا)، التي احتلتها العصابات الصهيونية عام 1948.

سارة لا تنسى ذكر بلدتها الأصلية في كل محفل، وتتحدث كثيرًا برفقة صديقاتها في المدرسة عنها وعن أحلام العودة، كيف لا؟ وتبعات وعد بلفور، تلقي بظلالها على حياة عائلتها –وكافة المهجرين- في المخيمات داخل الوطن وفي أراضي الشتات، منذ أُقر وأُعلن.

تزيد ضمن حديثها لـ "نوى": "خلال عدوان 2009م كنت صغيرة، ولكنني أتذكر حرب 2014م، وحرب 2021م. كنتُ أعرفُ أنه لولا هذا الوعد، والنكبة من بعده، لما جاء إلى أرضنا احتلال، ولما عشنا خوف الموت بصاروخٍ يهشّم بيوتنا وأرواحنا وأحلامنا أيضًا".

إلى شمال قطاع  غزة حيث تتوجه الطفلة سجى شاهين برفقة صديقاتها إلى المدرسة فيتجاذبن خلال الطريق أطراف الحديث: "شو بلدتك الأصلية يا سجى؟ تجيب: بربرة، وأنتِ؟ تجيب صديقتها: من بلدةٍ اسمُها عاقر، وكلها محتلة!

و"وعد بلفور" هو اسم تصريح وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور، في عام 1917م بإنشاء وطنٍ قوميٍ لليهود في أرض فلسطين، أرسله برسالةٍ لصديقه اليهودي روتشيلد، ولم يكتفِ به، بل سهّل وصول اليهود إلى فلسطين أثناء الانتداب البريطاني، وعلى مدار 30 عامًا حتى قيام ما عُرف لاحقًا باسم "دولة إسرائيل"، بعد تدمير آلاف المدن والقرى الفلسطينية، وقتل آلاف الفلسطينيين.

سجى التي تسكن مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين شمال قطاع غزة، وتعيش كل ظروفه ومعاناته من ضيق البيوت، والازدحام الشديد، وانقطاع الخدمات الإنسانية، لا تغفل للحظة عن ذكر من تسبب في حياتها هذه، هي وكل جيرانها من أبناء المخيمات، لتعود وتقول: "أخطأت دولة الاحتلال حين ظنت أن الصغار الذين لم يعيشوا في مدنهم وقراهم، ولم يعرفوها أصلًا سينسون حقهم، نحن نعرف بيوت أجدادنا الذين حدثونا عنها كأننا نراها، ونحلم بالعودة، ونراها يقينًا".

تضيف: "وعد بلفور هو الذي أعطى العصابات الصهيونة الحق في إقامة دولة لهم على أرضنا التي احتلوها وقتلوا أصحابها، حتى غدونا نعيش بسببهم في بيوت ضيقة وصغيرة جدًا"، مردفةً بانفعال: "بريطانيا تتحمل المسؤولية".

الحقيقة أن بريطانيا إلى جانب قوى دولية كبرى، تسببت في تشريد الفلسطينيين وارتكاب المجازر بحقهم، وتقديم فلسطين على طبقٍ من ذهب لعصاباتٍ أتت من شتات الأرض لتقيم دولةً لها عام 1948م على دماء مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني، وفوق أراضيهم.

لكن المؤسف اليوم، أن ذكرى الوعد المشؤوم تمر علينا، والقضية الفلسطينية في مأزقٍ حقيقي، "ذلك بفعل التنكّر الدولي للقضية الفلسطينية وما نجم عن هذا الوعد من ابتلاع شعبٍ بكامله، وتشريده في شتّى بقاع الأرض، وزرع آخر مكانه هو الاحتلال الإسرائيلي، وفقًا للمحلل السياسي د.طلال أبو ركبة.

إضافة لذلك فإن الانقسام السياسي الفلسطيني –حسب أبو ركبة- وغياب الرؤية الموحّدة لمواجهة الاحتلال الذي استغل مؤخرًا قانونًا أصدره عام 2016م لتصنيف مؤسسات فلسطينية، لا سيما العاملة في مجال حقوق الإنسان بالإرهابية، وسط التراجع العربي عن دعم القضية الفلسطينية بفعل تبعات الربيع العربي، وتدمير مقدرات الكثير من الشعوب العربية، وكذلك تراجع الأداء السياسي للمؤسسات الفلسطينية، وغياب الدمقرطة وتأجيل الشرعيات.

وفي حديثها عن وعد بلفور تذكّر الباحثة هيام البيطار، بأنه لم يكن الوعد الأول الذي منح اليهود الحق في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين؛ ولم يكن "بلفور" وحده مهندس الفكرة، بل سبقه الكثيرون ممن وضعوا، وطوروا، وبلوروا أفكارهم فيما يسمى بالصهيونية المسيحية، التي ساهمت في تمهيد المقدمات الأولى لظهور الصهيونية الجديدة، من خلال حركات الإصلاح الديني التي بدأها مارتن لوثر الذي طرح فكرة تجميع اليهود في فلسطين عام 1649م.

أيضًا نابليون- كما تشرح البيطار- كان من أوائل السياسيين الأوربيين الذين نادوا بفكرة إقامة دولة لليهود في فلسطين، بالإضافة إلى الرئيس الأمريكي "جون آدمز" الذي نادى أيضًا بإقامة دولة لليهود في فلسطين عام 1818م، كما دعا اللورد "بالمرستون" رئيس وزراء بريطانيا بين عامي 1855-1858 والمعروف باتجاهاته الاستعمارية؛ إلى إقامة دولة لليهود في فلسطين تدعم السياسة البريطانية.

"كذلك ادعى بعض الأساقفة في أوروبا بأن المشروع الصهيوني هو مشروع إلهي! وكل تلك المواقف أخذت بالاعتبار أساسًا المصالح الاستعمارية العليا، من حيث أهمية فلسطين للمستعمرين" تقول البيطار.

وحسب الباحث د.ناصر الدين اليافاوي، فقد لعبت أسرة "روتشليد" الثرية، دورًا في تدشين أول كيان نظري لإسرائيل حين قدم بلفور وعده لروتشيليد خلال حفلٍ حضره دهاقنة الفكر الصهيوني والماسوني، لأن العامل الاقتصادي كان مهمًا.

ويوضح اليافاوي أن وعد بلفور تمت الإشارة إليه في اتفاقية سايكس بيكو، وسان ريمون، ولم يذكر هذا التاريخ بشكل كامل، فيما عنى "الانتداب" حسب قرار عصبة الأمم المتحدة، تجهيز سكان البلد إداريًا وسياسيًا لإقامة دولة.

وبقراءةٍ جيدةٍ لمبادئ الرئيس الأمريكي "ولسون" وقتها، التي تدعي مبدأ حرية الشعوب في تقرير المصير، فهم كانوا يجهزون اليهود وليس الفلسطينيين، فهناك بند يقول: إن على الدولة اليهودية أن تحمي حقوق الأقليات من غير اليهود، "حيث اعتبروا كل الفلسطينيين، الذين كانوا في أراضيهم أصلًا قبل أن يطردوا منها على يد العصابات الصهيونية، أقليات، وكان عددهم حينذاك قرابة 700 ألف إنسان، وهذا بحد ذاته تناقض في مبدأ عصبة الأمم" يقول.

وبالعودة إلى الباحث أبو ركبة، فإنه يرى أن ما سبق، يجعلنا نؤكد أن بريطانيا تتحمل المسؤولية التاريخية والأخلاقية عن اقتلاع شعبنا من أرضه، وتفكيكه في شتى بقاع الأرض، وإحلال شعب بديل مكانه، "وعليه يجب أن يذكر الشعب الفلسطيني بريطانيا بذلك في كل محفل، على المستوى الرسمي والشعبي، بتوصيف ما حدث على أنه جريمة تاريخية إزاء شعب كامل" يشدد.
ويوضح أن الموقف البريطاني الآن بات منقسمًا، فبعد صدور قرار حزب العمال البريطاني باعتبار "إسرائيل" دولة فصل عنصري، وخروج مسيرات في لندن، وليفربول، تندد بالعدوان على غزة وبسياسات الاحتلال في الشيخ جراح، "يجعلنا نجزم بضرورة استثمار هذا التغيّر لصالحنا من خلال تشكيل لوبيات توضح الحق التاريخي لشعبنا، وتطالب بريطانيا بالاعتذار رسميًا للشعب الفلسطيني، وتصحيح خطأها التاريخي بحقه" يختم.