شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 18 يناير 2022م21:57 بتوقيت القدس

في ظل غياب قانونٍ ناظم..

مخصصات الشؤون.. الحكومة "تمُنُّ" بحقوق الفقراء

02 نوفمبر 2021 - 08:19

رام الله/ شبكة نوى- فلسطينيات:

بشقّ الأنفُس، تمكّن المسن سعيد السموني (56 عامًا) من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، أن يستدين مبلغ 60 شيقلًا، ثمنًا لصورة أشعة سيجريها لظهره في مستشفى الشفاء، بالإضافة لأجرة المواصلات.

"السموني" يعاني المرض، ولا يقوى على العمل، ويعيش برفقة زوجته مع 10 أولاد داخل منزل صغير لا تزيد مساحته على 50 مترًا، مكونٌ من غرفتين اثنتين "وبالسترة مطبخ وحمام".

أسرة "السموني" من بين عشرات آلاف الأسر الفلسطينية الفقيرة، المسجّلة على برنامج مخصصات الشؤون الاجتماعية، التي تدفعها لهم الحكومة عبر وزارة التنمية الاجتماعية.

بحسرة يوضح "أبو لؤي" عبر اتصالٍ هاتفي، أن ما يحصل عليه من وزارة التنمية الاجتماعية كل ثلاثة أشهر هو 1800 شيقل، "باتت متقطّعة"، ولا يدري حتى الآن متى ستصله الدفعات المتأخرة.

لم تصرف الحكومة الفلسطينية خلال 2021 سوى دفعة واحدة خلال مايو الماضي

ولم تصرف الحكومة الفلسطينية خلال العام 2021 سوى دفعة واحدة للأسر الفقيرة، ذلك خلال شهر مايو/ أيار الماضي.

والدفعة الوحيدة التي حصل عليها "أبو لؤي" منذ 10 أشهر كانت بالحد الأدنى لبرنامج الشؤون، بواقع 750 شيقلًا لكل أسرة.

يقول: "السترة من الله.. أعيش على الديون ولا مصدر لي سوى شك الشؤون". وبدا ناقمًا على هذا الحال عندما أضاف: "الحكومة تصرف رواتب الموظفين في مواعيدها، بينما نحن فتعتبرنا شحادين".

يغطي برنامج مساعدات الأسر الفقيرة في وزارة التنمية الاجتماعية 116 ألف أسرة، منها 81 ألفًا في قطاع غزة، و35 ألفًا في الضفة الغربية.

والأصل أن تصرف هذه المساعدات كل ثلاثة أشهر خلال العام، أي بواقع أربع دفعات سنويًا، بحد أدنى 750 شيقلًا، وبحد أعلى 1800 شيقل، ذلك حسب وضع الأسرة على مستوى خط الفقر، إلى جانب الواقع الصحي والاجتماعي لأفرادها.

وتعد هذه الأسر الأكثر فقرًا في فلسطين، ويتم اختيارها وفق عملية محوسبة بعد جمع كل البيانات المتعلقة بها، وزيارتها ميدانيًا.

تبلغ نفقات البرنامج سنويًا 520 مليون شيقلًا، تدفع الحكومة منها 65%، و35% يغطيها الاتحاد الأوروبي

وتبلغ نفقات البرنامج سنويًا 520 مليون شيقلًا، تدفع الحكومة منها 65%، و35% يغطيها الاتحاد الأوروبي.

ويؤكد التقرير نصف السنوي للموازنة العامة 2021م، الصادر عن الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة، أنه لم يتم تحويل سوى دفعة واحدة من المخصصات خلال العام الجاري، مرجحًا أن يتم حرمان الأسر الفقيرة من مخصصاتهم.

ويشير التقرير ذاته إلى حصول مستحقي الشؤون على 75% فقط من مخصصاتهم خلال الأعوام الثلاثة الماضية، إذ حصلوا على ثلاث دفعات من أصل أربعة سنويًا

لا تعويضات

بشكلٍ مباشر أجاب وكيل وزارة التنمية الاجتماعية داوود الديك عن سؤال "نوى" حول موعد صرف مساعدات الأسر الفقيرة، بالقول: "لا يوجد موعد محدد".

ويبرر الديك عدم انتظام الصرف بالأزمة المالية التي تعاني منها الحكومة، نتيجة الإجراءات الإسرائيلية، والحصار السياسي والمالي الذي تعاني منه السلطة الفلسطينية منذ أيام الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وتأخر مساهمات الاتحاد الأوروبي لهذا البرنامج.

الوكيل الديك: لا دفعات قريبة، ولا تعويض لما فات، واسألوا المالية عن الأولويات

واستطرد بالشرح: "هناك أزمة مالية عميقة سببها حصار مالي وسياسي على الحكومة، والحكومة استنفذت سقف الإقراض من البنوك، والعوائد من بعد جائحة كورونا وحتى اليوم ليست بالمستوى المطلوب، والمصاريف كثيرة، وفاتورة الرواتب مرهقة جدًا، وهناك -دربكة- في الوضع المالي".

ويُقر الديك بأن هذا العام شهد صرف دفعة واحدة فقط بقيمة 750 شيقلًا لكل أسرة، وكلفت 86 مليون شيقلًا، تم تمويلها بالكامل من وزارة المالية.

وحول ما لم يصرف خلال السنوات الماضية، رد الديك بالقول: "نحن نعمل على موازنة، وعندما تنتهي الموازنة في نهاية العام لا يوجد تعويض عنها، وما لم يصرف لن يصرف".

لا دفعات قريبة

من بين الأسباب التي أوردها "الديك" في تأخر الصرف، والتي لطالما ترددت على ألسنة المسؤولين خلال الفترة الماضية، هو عدم دفع الاتحاد الأوروبي خلال العام 2021م أي موازنات لهذا الاتجاه، ولكن هل هذا هو السبب الحقيقي؟

يرد المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي في فلسطين شادي عثمان على ذلك بأن "الاتحاد يغطي "تقريباً" نصف الفاتورة الخاصة بالمخصصات الاجتماعية، والسلطة الفلسطينية على علمٍ بأنه لن يكون هناك تمويل أوروبي منذ بداية العام وحتى نهايته".

عثمان: إقرار الميزانية الأوروبية تأخر والسلطة تعلم بغياب التمويل هذا العام

وعن سبب عدم إيفاء الاتحاد الأوروبي بالتزامه المالي في وقته، رد عثمان: "كان هناك إقرار للميزانية الجديدة وتأخرت، ويجري العمل الآن على إقرارها، ولها علاقة بأسباب فنية وإدارية، والأمور بدأت تعود بشكل تدريجي، وسوف يكون هناك دفعة للسلطة خلال أسبوعين خاصة بالرواتب، ولا علاقة لها بمخصصات الأسر الفقيرة".

أما بخصوص مستحقات الأسر الفقيرة، فيرجح عثمان بأنها "قد تكون في الربع الأول من العام القادم".

لكنه عاد وشدد على أن الاتحاد الأوروبي لا يساهم بكل المبلغ، "لذا الأمر يعود إلى السلطة، إن كانت ستدفع ما عليها أو لا".

توجهنا إلى الديك مجددًا، وسألناه: لماذا لا تصرف خزينة المالية الجزء الذي تساهم به الحكومة كما جرى في دفعة شهر أيار؟ فأجاب: "بعد هذا التأخير، من غير المجدي أن يُصرف للأسر جزء منها".

ارتفاع الصرف على الأمن

توجه معد التحقيق إلى عددٍ من الخبراء المتابعين عن كثب لبرنامج الشؤون الاجتماعية في وزارة التنمية الاجتماعية، للتعرف على السبب الحقيقي وراء تأخر دفع مخصصات الفقراء.

من بين هؤلاء كان إياد رياحي، الباحث في مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية، الذي يرى أن مشكلة هذا البند تكمن في أنه لم يتحول إلى حق، "بل إن الحديث عنه يتم في سياق كونه مكرمة للعائلات الفقيرة وهذا غير صحيح، لأنه بند يتم تمويله من الموازنة العامة للسلطة الفلسطينية".

رياحي: غياب قانون خاص ببرنامج الحماية الاجتماعية يجعل التعامل مع الشؤون على أنها "مكرمة"

ويؤكد رياحي، أن تأخر الصرف وقيمته، وعدم تحويل دفعات متأخرة في الأعوام السابقة، يعد مؤشرًا على مستوى الاهتمام الذي تعطيه الحكومة لهذه القطاعات.

وعن رأيه في الخلل الذي يشوب الشؤون الاجتماعية، يضيف رياحي: "البرنامج تُرِك للمساعدات الخارجية، بمعنى أنه إن كان هناك مساعدات خارجية فسوف تُصرف للعائلات الفقيرة، وإذا لم تتوفر المساعدات فلن يصرف شيء".

ولفت رياحي إلى أولويات الصرف لدى الحكومة، كسبب ثانٍ، "حيث نلاحظ في الموازنة أن هناك بنود ارتفع الصرف عليها مثل موازنة تعزيز البرنامج السياسي والأمني للرئيس محمود عباس، وهذا مؤشر ينبئنا أين نسير؟ وكيف نوزع الأولويات؟، وإن كان المواطن هو الأولوية في الاعتبارات التنموية للحكومة، أو لا".

وتابع: "إن برنامج الشؤون الاجتماعية لم يتحول إلى قانون، إذ تلتزم الحكومة بدفع راتب الموظف في القطاع العام لوجود قانون الخدمة المدنية الذي يلزمها بذلك حتى لو تأخرت"، ولكن العائلات الفقيرة لا يوجد قانونٌ يحميها، ويتم التعامل مع مخصصاتها على أنها "مكرمات".

لذا يشدد رياحي على ضرورة الضغط باتجاه تحويل برنامج الشؤون إلى قانون، كجزء من الحماية الاجتماعية للعائلات الفقيرة في المجتمع الفلسطيني، وأن يعاد ترتيب أولويات صرف الموازنة العامة لمصلحة برامج الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.

وحول من يتحمل المسؤولية في مجلس الوزراء؟ إن كانت وزارة المالية، أو التنمية الاجتماعية، يلقي رياحي باللائمة على النظام السياسي عمومًا، "لأن أولوياته غير مرتبة، وبالتالي يُضحّي بالعائلات الفقيرة التي لا يوجد جسم يدافع عنها".

ويتفق أُبي عابودي، مدير مركز "بيسان" للبحوث والإنماء مع رياحي في أن الخلل يكمن بتوجهات السلطة، التي تتعامل مع مخصصات الأسر الفقيرة على أنها "منة" وليست حق، وأن الفقراء والحماية الاجتماعية ليست على أجندة الحكومة، "التي اشترت في العام الماضي 279 سيارة جديدة لا حاجة لها، وفي المقابل لم تصرف للأسر الفقيرة سوى 750 شيقلًا في هذه السنة".

عابودي: الفقراء والحماية الاجتماعية ليست على أجندة الحكومة

وعن الحل، يؤمن عابودي بأهمية وضع تعزيز صمود الناس، وقطاعات التعليم والصحة ووزارة التنمية الاجتماعية على سلم الأولويات، "وليس تعزيز رفاهية كبار المسؤولين، والتوسّع في القطاع الأمني"، مستدركًا: "وإذا لم تتغير أولويات الحكومة، فلن يكون هذا البرنامج على الأجندة". 

علاوة على ذلك، يقول عابودي: "إن العدد الحقيقي للأسر الفقيرة في فلسطين أكثر من 116 ألف أسرة، إذ يوجد 120 ألف أسرة فقيرة تنطبق عليها المعايير وتقف على لوائح انتظار الانضمام للبرنامج، لكن لا إمكانية للدفع لهم، "أي نتحدث عن 230 ألف أسرة متأثرة من غياب الموازنات والحماية الاجتماعية".

عُرضة للابتزاز

ويؤكد حسن محاريق، مدير البرامج في مؤسسة "مفتاح"، أن الحكومة لم تولِ الاهتمام الكافي لهذه الفئات مثل الموظفين العموميين، وكحقٍ من الحقوق الأساسية بناءً على الحق في الحياة، والحق في الدخل، والرعاية الصحية، والتعليم.

ويتفق محاريق مع عابودي ورياحي في أن الحكومة تعدّ هذه المبالغ "منحًا"، لا حقًا أساسيًا من المفترض أن يتم تموليه أربع مرات خلال العام.

ويشير إلى أن "مفتاح" تواصلت مع وزارتي المالية والتنمية الاجتماعية للاستيضاح، ومطالبتهما بالالتزام بأربع دفعات للأسر الفقيرة، "لكن لم يتم الرد بشكل رسمي، وإنما تم الرد بشكل شفهي بأن الموازنة تتعرض لضغوط كبيرة بسبب نقص التمويل، وأن هذه المساعدات تعتمد على المساعدات الخارجية خاصةً من الاتحاد الأوروبي، الذي لم يصل منه شيء حتى اللحظة.

ويلخص محاريق رأيه في أسباب عدم دفع الحكومة للأسر الفقيرة، أنها (الحكومة) لا تولي الاهتمام للفئات المهمشة، خاصةً الفئات الضعيفة التي تعتمد على المساعدات كمصدر دخل "وفي المقابل تعطي الحكومة أولوية للرواتب والنفقات التشغيلية في الوزارات المختلفة"، مشيرًا إلى أن "وزارة التنمية الاجتماعية هي الأقل اهتمامًا من بين وزارات القطاع الاجتماعي".

محاريق: انتقال التنمية الاجتماعية من الإغاثة إلى التمكين يراوح مكانه

السبب الثاني الذي ذكره محاريق، هو اعتماد الدفع للفئات الفقيرة على المساعدات الخارجية حصرًا، "وهذا يجعلها عرضة لأي ابتزاز مالي تتعرض له السلطة الفلسطينية نتيجة مواقفها السياسية، أو حراكها الدولي".

خطة تراوح مكانها

والسبب الثالث، يعزوه محاريق إلى مراوحة وزارة التنمية الاجتماعية مكانها في خطتها المعلنة قبل سنوات للانتقال من الإغاثة إلى التمكين.

ويرى أن الحلول تكون بإشراك القطاع الخاص الفلسطيني في تمويل هذا البرنامج، ومراجعة سياسات مكافحة الفقر لدى وزارة التنمية الاجتماعية، والانتقال فعليًا إلى التمكين الاقتصادي، ونقل مخصصات الأسر الفقيرة إلى نفقات السلطة الفلسطينية الرئيسية، دون الاعتماد على المساعدات الخارجية. 

عاودنا الاتصال بوكيل وزارة التنمية الاجتماعية داوود الديك للرد على أولويات الصرف لدى الحكومة فاكتفى بالرد: "اسأل المالية عن الأولويات".

الديك: كل بند في الموازنة يحميه قانون الموازنة.

أما عن سبب غياب إطار قانوني يحمي الفقراء، فقال: "إن برنامج المساعدات النقدية، جزء من الموازنة التي إما أن يصادق عليها التشريعي وتكون بالتالي قانون، أو يصادق عليها بقرار بقانون من الرئيس، لذا كل بند في الموازنة يحميه قانون الموازنة".

ويضيف: "الوزارة عملت على قانون خاصٍ بها يعطي حماية إضافية، "تم إنجاز مسودة منه، وهو على الطاولة للمراجعة، وصولًا إلى تطويره لينظم كل تدخلات الوزارة".

بدون رد

توجهنا إلى الناطق باسم الحكومة الفلسطينية إبراهيم ملحم للرد حول ترتيب أوليات الصرف لدى الحكومة الفلسطينية، ولماذا تنظر الحكومة إلى مستحقات الفقراء على أنها "منة.. مساعدة.. منح" وليست حقوق؟ لكنه لم يرد على اتصالاتنا المتكررة، وقد تم إرسال رسالة نصية إليه عبر "الجوال" توضح الموضوع، ولكن دون جدوى.

المادة رقم (22) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: لكلِّ شخص، بوصفه عضوًا في المجتمع، حقٌّ في الضمان الاجتماعي

وتنص المادة رقم (22) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على أن "لكلِّ شخص، بوصفه عضوًا في المجتمع، حقٌّ في الضمان الاجتماعي، ومن حقِّه أن تُوفَّر له من خلال المجهود القومي والتعاون الدولي، وبما يتَّفق مع هيكل كلِّ دولة ومواردها، الحقوقُ الاقتصاديةُ والاجتماعيةُ والثقافيةُ التي لا غنى عنها لكرامته ولتنامي شخصيته في حرِّية".