شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 26 يناير 2022م19:31 بتوقيت القدس

أسيل وبيسان..

ابنتا البحر.. ملِكَتان على عرش التجذيف بغزة

27 اكتوبر 2021 - 17:42

غزة:

انطلقت صافرة النّهاية وصفّق الجميع بحرارة فما حدث كان مُبهرًا. بيسان بكر (17 عامًا) حصَلَت على المركز الأول في بطولة الشراع والتجذيف، ثمّ تلتْها شقيقتُها أسيل (14 عامًا) في  المركز الثاني.

أجواء الفرحة طغت على غروب ذلك اليوم. الصبيّتان بينما كانتا تستلمان كأسَي الإنجاز من اللجنة الأولمبية الفلسطينية -الاتحاد الفلسطيني للشراع والتجذيف- كان والداهما يقفان في الخلفية، يمسحان دموع الفرح.

بيسان التي تستعد لامتحانات الثانوية العامة هذا العام، أبدت سعادةً غامرةً بهذا الفوز. "ابنة البحر" كما تحب أن تسمي نفسها، التي تعيش على مسافة شارعٍ واحدٍ من حبيبها الأزرق، وُلدت لأبٍ عمل صيادًا منذ صغره، ومنقذًا بحريًا في أحيان كثيرة، وعندما بلغت من العمر 6 سنوات، بدأ بتدريبها على السباحة التي حصدت فيها لاحقًا العديد من البطولات.

"بل وأصبحتُ مدربةً لها في سنٍ صغيرة" تستدرك الفتاة ضاحكةً. تصمتُ قليلًا، وتكمل: "أنا ابنة صياد، والبحر- متنفس قطاع غزة الوحيد، بالنسبة لي هو جزء من حياتي، أنا وعائلتي نقضي معظم الوقت هنا، نألفه وكأنه أحد أركان بيتنا".

بعدما أتقنت بيسان السباحة في البحر، اصطحبها والدها مع شقيقتها أسيل التي تصغرها بثلاث سنوات إلى مدرسةٍ لتعليم السباحة، في ذلك اليوم، تصادف وجود مسابقة، فنالت المركز الأول منذ ساعات وصولها الأولى.. وبعدها توالت الجوائز والمراكز.

تكمل: "أول رياضة احترفتُها كانت "الشراع"، وهو قارب شراعه يشبه المثلث، ويسير حسب قوة الريح، تدرّبتُ عليه بعمر 12 عامًا وحصدتُ المراكز الأولى، لكن للأسف لم أستطع الاستمرار بسبب منع الاحتلال الإسرائيلي دخول شراعات وأدوات لرياضات البحر، بعد أن تلفت الأشرعة الموجودة، بسبب الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة".

وتردف: "كنت أتدرب على قاربٍ من نوع (اوبتمست) وهو لمن دون عمر 16 عامًا، وكنت بحاجة للتدرب على قارب (ليزر) لمن هم فوق هذا العمر، لكن الاحتلال يمنع دخول أي شيء".

ولمّا ألِفت بيسان السباحة جيدًا، أرادت تطوير ذاتها بالحصول على دورة تأهيل مدربين لتصبح أصغر مدربة سباحة، وبالفعل، تلقّت عشرات النساء التدريب معها، خاصةً الراغبات في ممارسة السباحة في المسابح العائلية التي يتم استئجارها، أو من أجل اللياقة البدنية، فوجود مدربةٍ فتاة شجّع الكثيرات.

سرعان ما انطلقت بيسان إلى رياضة "الرتيثلون" برفقة شقيقتها أسيل، وهي عبارة عن ثلاث سباقات مرة واحدة، "السباحة والجري وقيادة الدراجات"، أتقنتها وأحرزت فيها جوائز أيضًا، ليلمع في رأسها تساؤل حول رياضة التجذيف: "لم لا؟"، حين سمعت بإقامة البطولة بعد عشرة أيام.

تقول :"تدربت مدة 10 أيام فقط، ليس لدينا قارب ولا مجاذيف، ووالدي استعان بقوارب ومجاذيف لزملائه، وكان هو من يدربنا ويستشير صيادين في تطوير قدراتنا السريعة قبل البطولة"، مردفةً: "والدي لديه ثقة كاملة بي، لهذا قضى معنا كل الوقت ليضمن مشاركتنا".

عانت بيسان كثيرًا بسبب الرفض الاجتماعي لرياضة الفتيات، وكثيرًا ما واجهت التنمّر، وتعرضت للإيذاء اللفظي من قبل بعض من كانوا يمرون في الميناء أثناء تدريبها، تعقّب: "أحدهم قال لي: وين أبوكي عنك؟ رديت عليه والدي قبالي واقف"، مستكملةً حديثها بانفعال: "رغم كل ما أتعرّض له لن أتوقف عن ممارسة شغفي أبدًا".

تضيف: "رغم تجربتي الكبيرة في هذه السن، لم أحظ بأي مشاركة خارجية (..) في العام الماضي، لم أتمكن من المشاركة بسبب جائحة كورونا، لكن ما زال الحلم يراودني بحق، أرى نفسي في ميادين تمثيل فلسطين دوليًا"، معبرةً عن طموحها الشخصي في الالتحاق بقسم التربية الرياضية بالجامعة، وافتتاح مدرسة رياضة خاصة برفقة والدها مستقبلًا.

أما شقيقتها الصغرى أسيل (14 عامًا)، فتشبهها في البداية المبكرة بمهارة السباحة، إذ حصدت فيها لقبًا واحدًا، لكنها ركّزت بشكل أكبر على رياضة سباق العدو، والدراجات الهوائية، ورياضة الشراع.

تقول أسيل: "التحقتُ بنادي السباحة منذ الصغر، لكن أحببتُ السباق أكثر، ربما ساعدني في ذلك المساحات الواسعة بميناء غزة التي أتواجد فيها يوميًا (..) والدي كان داعمي الأول، ومدربي، ومشجعي، وهو من دربنا على الجري أنا وبيسان".

قبل انطلاق بطولة التجذيف بعشرة أيام، قررت بيسان وأسيل المشاركة، الفارق هنا أن أسيل كانت متفائلةً بتحقيق نتيجة كبيرة، عكس بيسان التي كانت متخوفة.

تضيف بعاميةٍ لطيفة: "نحن حياتنا في البحر، مرات بتمشي السفينة بأقصى سرعة واحنا واقفين على طرفها بكل ثقة، بنوقعش لأننا تعودنا، وبنعرف منيح كيف نثبت أقدامنا على السفينة".

أما بالنسبة لبطولة التجذيف، فكانت مغامرةً بالنسبة لأسيل، لقد كرّست عشرة أيامٍ لذلك، وكانت تواصل التدريب مع والدها، توضح بالقول: "لجأنا إلى نقاطع فيديو عبر يوتيوب لمعرفة كيفية الإمساك بالمجذاف، وتحريكه بالشكل المطلوب، كان الأمر صعبًا لكن والدي علّمنا أن التحدي واجب".

وتمامًا مثل شقيقها، تطمح أسيل لأن تدرس التربية الرياضية عندما تكبر، وتمثّل فلسطين خارجيًا، خاصةً في سباق الجري، فهي تعدّ نفسها عدّاءة ماهرة.

أما والدتهم أم رزق بكر، التي ترافق أبناءها الأربعة "رزق-بيسان-أسيل- وسارة" في كل تدريباتهم، خاصةً وأن جميعهم يحترفون رياضات متعلقة بالبحر، فتقول: "منذ صغرهم أرسلهم مع والدهم ليتعلموا هذه الرياضات، ويوميًا يضعني والدهم في صورة تطور قدراتهم، وإلى أي عمق نزلوا البحر؟ وحتى.. كيف كانت حركات أيديهم".

تعقّب باستنكار: "كثيرًا ما يسألني الناس: ما بتخافي عليهم؟ فأرد: لا، لماذا أخاف؟ هم مع والدهم وهو أولى بتدريبهم وتعليمهم". تصمت قليلًا قبل أن تكمل: "كانوا يعرضون عليّ صور ابنتي وهي تقفز إلى البحر من أعلى المركب، وكنتُ أرد: ممتاز جدًا، سأشجعها لتستمر".

كانت بيسان وأسيل-حسب والدتهم- تذهبان إلى الصيد مع والدهن ليلًا، وهذا عرّضهن منذ الصغر لانتقادات المجتمع، لكن والدتهن كانت تريد أن تصنع منهن شخصيات مختلفة عن المألوف، تعقّب: "كانت البنات يحصلن على حصة من السمك يوميًا، ولم يكن هو الهدف، أفهم أن المجتمع يضع الفتيات في إطار صفات خاصة، لكن أنا أريد بناتي قويات".

تتابع: "كثيرًا ما سألني الناس ما بتخافي عليهم؟ فأرد فورًا لماذا أخاف ووالدهن معهن؟ هو من يحمي، ويدرب، ويشجع، والبنات سعيدات بدوره الكبير معهن" لكن الملفت، أن السيدة أم رزق لم تفكر أبدًا في احتراف بناتها لأي رياضة، فالأمور أتت صدفة، هي أرادت لهن أن يتدربن من أجلهن هن فقط، فكانت تدعم وتتابع وتشجع، وتضحك كلما تمزقت ملابسهن بسبب التدريب.

"بناتي تربية بحر" كما تقول أم رزق، "وحين كانت تصلني أي انتقادات، كنتُ أواجهها بقولي: أريد بناتي قويات".

تكمل: "وحتى اليوم، ما زلت أسمع كلام الناس، وأعيش الكثير من التنمّر، رغم ذلك أريد بناتي قويات، واثقات من أنفسهن، أتمنى أن تواجهن الحياة بدعمٍ وقوة". تبتسم وتختم: "نحن معهن حتى تحقيق كل ما يطمحن إليه".