شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 18 يناير 2022م21:41 بتوقيت القدس

حذّرت من الانسياق للأمثال الشعبية المحبطة..

خريجةٌ في الثمانين: أخطط للدكتوراه

16 اكتوبر 2021 - 22:10

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

إذا كنت ممن أثار استغرابهم خبر حصول الفلسطينية جهاد بطو على الشهادة الجامعية وهي في الخامسة والثمانين من العمر، فعليك أن تستعدّ لسماعِ ما قالته هذه المرأة المثابرة لـ "نوى": "أتطلع لإتمام تعليمي الجامعي، ومناقشة الدكتوراه أيضًا". 

قبل أيام، ضجّت منصات التواصل الاجتماعي، بأخبار وصور السيدة جهاد، التي تقطن مدينة الناصرة داخل فلسطين المحتلة عام 1948م، بينما كانت تحتفل بحصولها على شهادة البكالوريوس من الكلية الشرعية للعلوم والأحكام في الإسلام، لتحقق بذلك حلمًا لم يفارقها على مدار نحو سبعة عقود.

اكتسبت جهاد (وينادونها الحاجة أم سهيل)، اسمها من العام الذي وُلدت فيه 1936م، حيث الثورة ضد الانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية كانت محتدمة. في ذلك العام أبصرت النور وسط عائلةٍ تعود جذورها لقرية "المجيدل" قضاء الناصرة، فيها درست الابتدائية حتى عام 1948م.. عام النكبة.

في تلك الآونة، وتحت وقع الجرائم التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، لجَأت جهاد وكانت في الثانية عشرة من عمرها، مع أسرتها، إلى الناصرة، والتحقت بمدرسة "السيدة أولجا" حتى الصف الخامس ابتدائي، وهناك توقفت رحلتها في قطار العلم والتعلُّم بعدما أخرجتها أسرتها من المدرسة لتساعد والدتها المريضة.

مرت سنواتٌ وعقود، تركت أثرها على وجه جهاد وجسدها، لكنها لم تنل من حلمها وعزيمتها أبدًا. هذا ما أكدته عبر الهاتف لـ "نوى" حيث صوتها وصَلَ مُفعمًا بالحيوية والأمل.

قالت: "ندمت كثير لأني تركت المدرسة،  كنت شاطرة ومتفوقة، ورغم تركي للتعليم سنوات طويلة، إلا أني ما توقفت التعلم الذاتي، وتعلمت اللغة العربية والإنجليزية، والرياضيات، ومعارف ثانية كثيرة".

قبل بضعة أعوام حفظت جهاد القرآن الكريم كاملًا، وقد بدـأت في حفظه وهي في الثالثة والسبعين من العمر. تضيف: "أتممتُ الحفظ في ثلاثة أعوام، والحمدلله في كل يوم أقرأ جزءًا منه لتثبيت الحفظ عندي".

كانت جهاد بين الفينة والأخرى تقطع الحديث معنا، لتستقبل المهنئين بالإنجاز العظيم، أولئك الذين لم يفرغ بيتها منهم منذ يوم التخرج، ثم تعود للحوار بعدها عند النقطة التي انتهت منها، وكأنها لم تقطعه أصلًا.

تحدثت عن البدايات الأولى، "البدايات الصعبة" التي أحاطتها فيها نظرات البعض وهمساتهم التي وصفتها بـ "المثبطة"، وتكمل: "لم ألتفت إلى الأصوات والآراء السلبية، وواصلتُ طريقي بعزيمةٍ وإصرار".

وبافتخارٍ شديد، تواصل الحديث بنصيحةٍ قالت إنها تقدمها لـ "الجميع"، نساءً ورجالًا وأطفالًا، مفادها: "إياكم والركون إلى المثل الشعبي السلبي (بعد ما شاب ودوه الكتّاب)، فهو مخالف -برأيها- للحديث النبوي الشريف: "اطلب العلم من المهد إلى اللحد"".

تزيد: "في هذا الحديث يحثنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم على الاستمرار في طلب العلم منذ الميلاد وحتى الممات، وأنا أتساءل باستهجان: لماذا يمكن أن نطلق مثل هذه الأمثلة المحبطة في حياتنا؟ لا تخجلوا أبدًا من أعماركم، تعلموا وانظروا إلى الأمام ولا تلتفتوا إلى المحبطين، وردوا عليهم كما كنتُ أنا أرد: سأتعلم حتى الممات".

عقود عمرها الثمانية، لم تترك على ذاكرتها وصحتها ذلك الأثر الذي قد تراه على غيرها، إذ تتمتع الحاجة أم سهيل بالقدرة على تنظيم وقتها، ولديها برنامجٌ أسبوعيٌ لتعليم النساء أحكام القرآن الكريم والتجويد في مسجد السلام بمنطقتها، ويومٌ في الأسبوع تعلم فيه التطريز في جمعية "نسيجنا"، ويومٌ تذهب فيه للصلاة في المسجد الأقصى المبارك، فيما تخصص يوم السبت من كل أسبوع لطبخ الطعام لعائلتها، ويوم الأحد لتنظيف بيتها بمساعدة ابنتها.

هذا التنظيم الدقيق لتفاصيل الحياة، ساعدها كثيرًا في مشوارها بكلية العلوم الشرعية في "كفر برا"، تقول: "كنا نتعلم يوم الجمعة فقط، من الصّباح حتى المساء، وكنتُ أسافرُ إلى الكلّية برفقة طالبتين، في سيارةٍ نستأجرُها معًا".

والحاجة أم سهيل، أم لخمسة أبناء، أربعة ذكور وأنثى وحيدة هي نوال المعلمة المتقاعدة. تعلق: "أفتخر بأنني نجحت في مسيرتي كأم، وساعدت أبنائي جميعًا في رحلة تعلمهم، وتحمّلت وحدي المسؤولية بعد وفاة زوجي".

يعمل ابن جهاد الأكبر مديرًا في قسم التأمين، بينما الثاني طبيب، والثالث موظف في قسم ماكينات طبية، والرابع مهندس كمبيوتر.

تقول الابنة نوال لـ"نوى": "أنا وأخوتي ندين بالفضل كله لأمنا التي كانت دائمة النصح بأهمية وقيمة التعليم"، وبالنسبة لها شخصيًا فهي ترى أن أمها السبب الأول وراء حصولها على الشهادة والوظيفة كمعلمة، "فقد كنت الكبرى بين إخوتي، وأردت التوقف عن التعليم بعد حصولي على شهادة الثانوية العامة، لكن أمي أصرت على إكمال تعليمي الجامعي".

التحقَت نوال بكلية تأهيل المعلمين، وبعد تخرجها من الكلية تم تعيينها معلمةً في منطقة النقب، تضيف: "لم تتوقف أمي عن نصيحتي، وشجعتني على إكمال تعليمي في جامعة بئر السبع، وهكذا كانت مع جميع إخوتي.. بفضل الله ثم بفضلها نجحنا في مسيرتنا التعليمية وحياتنا المهنية".

لم ينس الأبناء فضل والدتهم وكانوا سندها في مسيرتها نحو تحقيق حلمها بالحصول على الشهادة الجامعية، يعقب نجلها يوسف: "عندما أخبرتنا أنها تريد أن تتعلم فرحنا كثيرًا، وساندناها جميعًا من اللحظة الأولى، وقلنا لها لا تهتمي بكلام الناس.. المهم أن تحققي حلمك".

وأضاف بكلمات تكسوها الفرحة: "أتلقى اتصالات من كل مكان وأستقبل التهاني بما حققته أمي في مثل هذا العمر، أنا فخورٌ جدًا بها، لقد تعبت وربتنا وعلمتنا وآن لها أن تفخر بنفسها وبما حققته من إنجازات".

وفي يوم التخرج، التفّ أبناء "أم سهيل" بها كإحاطة السوار بالمعصم، ولسان حال كل منهم يقول بفخر: "هذه أمي.. هذه أمي".

ومن على منصة التتويج وتسليم الشهادات، وقفت ابنة جهاد "نوال" بكل فخرٍ وشموخٍ واعتزاز، لتلقي كلمةً مليئةً بالحب والفخر أمام الجمهور، قالت فيها: "عظيمَةٌ أَنتِ يا أُمي، مغروسٌ فيك حب العلمِ منذ صغرك، قصدتِ العلم ومنه نهلتِ.. وإلى أسمى الأهداف تطلعـت، العلمُ من المهد إلى اللحد بها آمنت، وما زلت وستظلين ما حييت. أنجبتِ وربيتِ وعلمتِ، ومن الجامعات خرَّجتِ رجالًا يفتخرون بما حققتِ وينحنون أمامك، يتساءلون: كيف استطعتِ؟ ورثوا حب العلم عنكِ، وما زالوا يستزيدون كما أردتِ".

واختتمت كلمتها بالقول: "سخِر البعض، وقالوا أبعد المشيب للعلم اتجهتِ؟ وكان أجمل ما فعلتِ أنكِ لثرثرتهم تجاهلتِ.. أسماك والدك جهاد، فجاهدتِ بمعارك الحياة.. وانتصرتِ".