شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 20 اكتوبر 2021م16:57 بتوقيت القدس

اليوم العالمي للصحة النفسية.. مواطنون: غزة محسوبة؟

11 اكتوبر 2021 - 13:32

قطاع غزة | نوى

على بساطته، كان من أكثر الأسئلة صعوبةً على قلب الشابة أمل! "في اليوم العالمي للصحة النفسية، كيف الصحة عندكم؟" باغتتها زميلة تجلس على المكتب المقابل، وضحكت، لكنها لم تتوقع أن تكون الإجابة يائسةً وصادمةً إلى هذه الدرجة: "وهل هذا اليوم محسوبٌ على الفلسطينيين في غزة أصلًا؟".

"ياااااه" قالتها أمل قاسم، ثم أطلقت تنهيدة، وأتمّت حديثها تخاطب زميلتها: "الحياة عبست في وجوهنا كثيرًا، ملامح الناس هنا وحدها تجيب عن مثل هذا السؤال" في إشارةٍ إلى الفقر الذي يعيشه أهالي قطاع غزة بسبب الحصار الإسرائيلي المطبق على صدورهم وطموحاتهم وأحلامهم منذ 15 عامًا.

"وعليه (تكمل أمل) لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال الحديث عن وضعٍ نفسيٍ جيد. نحن، ونحن فقط من ندفع ضريبة ما يعانيه القطاع من أزمات، من صحتنا النفسية، ومن مستقبلنا، ومن كل فرحٍ نتمنى أن نعيشه كاملًا بدون منغصات".

تضرب الشابة مثالًا، وهي التي تقترب من الثلاثين بمسافة أشهر فتقول: "كنتُ أخطط للسفر قبل فترة لعلي أعود إلى غزة بوضعٍ نفسي مختلف، لا سيما بعد العدوان الصعب في مايو، لكن إجراءات المعابر حالت دون ذلك"، ملفتةً إلى أن ذلك أصابها بالإحباط الشديد، وغمر قلبها بحزنٍ لا يمكن قياسه بميزان، "فلو لم يكن هناك حصار لكنتُ الآن أنا وكل شباب قطاع غزة نعيش حياتنا بشكل طبيعي مثل باقي سكان هذه الأرض".

صدقوا هذا، وصل العالم عام 2021 إلى ما هو أبعد من القمر، وما زالت هناك بقعة على ظهر الأرض اسمها قطاع غزة، إذا فكّرتَ بالسفرِ منها فعليك عزيزي القارئ أن تُقدّم قائمةً من الأسباب المقنعة، وهنا؛ من الصعب إقناع أحد بأن من حق الإنسان السفر، لأنه يريد تغيير حالته النفسية فقط.. تخيّل!

ولا تقف مشاكل الناس هنا فحَسب، بل تمتدُ لتضرب آذانهم بأصوات الزّنّانات (طائرات الاستطلاع) التي تشوّه سماء البلاد، تحوم فوقهم كالغربان، وتجعلهم متأهّبين في كل لحظةٍ لسماع صوتِ صاروخٍ هنا أو هناك، أو حتى التساؤل: على من الدور هذه المرة يا ترى؟

وتقدر وزارة الصحة الفلسطينية بأن نحو مليون مواطن بحاجة للدعم النفسي من قبل مختصين، حيث تصل نسبة انتشار الاضطرابات النفسية بغزة إلى 22%.

وحين وجّهنا السؤال للصحفية منى خضر، تلعثمت بالكلام قبل أن تبدأ، ثم ابتسمت وقالت: "غزة وضعها غير عن كل العالم، وغلط يسأل حد جوة غزة، حد تاني عن صحته النفسية، لأنه أكيد عارف اللي فيها".

تتابع بعفويةٍ مفرطة: "هذا السؤال يشبه نكتةً سمجة، فكل سكان قطاع غزة أصبحوا مجرد آلات إنتاج، ليس فقط سعيًا وراء لقمة العيش، بس آلات لإنتاج الإحباط أيضًا، والاكتئاب واليأس"، مردفةً بألم: "كلنا آلات وقودها أعمارها التي تحترق تحت الحصار بكل مسمياته القاسية".

تؤكد منى أن "المساكين المحاصرين" في غزة معظمهم مرضى نفسيين، يتعرضون لضغوطٍ عظيمة بسبب الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، والأوضاع الاقتصادية السيئة الناجمة عن الحصار، "هنا يرون الموت يسير على قدميه ويباغت الجميع بمكانه، وشكله، قد يكون مدبرًا بانتحار شبان بعمر الورد تقطّعت بهم سبل العيش الكريم، وقد يأتي على هيئة صاروخٍ يفتت أجساد الآمنين فلا يرحم طفلًا أو شيخًا أو رجلًا أو امرأة" تعقب.

بدوره، يؤكد مدير برنامج غزة للصحة النفسية ياسر أبو جامع، أن اجراءات الاحتلال هي المتسبب الأكبر بما آلات إليه نفسية الفلسطينيين في قطاع غزة، لا سيما بعد العدوان الأخير، الذي خلق لدى الأطفال تحديدًا شعورًا بالخوف والفزع الشديدين، القلق المتزايد والكوابيس المستمرة –وفق تقارير صحفية.

ويؤمن أبو جامع أن العدوان الأخير بات سببًا في الإجهاد العصبي، والنفسي بالنسبة للبالغين، نتيجة عدم تمكن الآباء والأمهات من النوم أو الوصول إلى درجة الهدوء النفسي بسبب تفكيرهم المستمر باحتمالية عودة القصف، لا سيما لو شهدت الأوضاع في فلسطين توترًا أينما كان. "هنا يحاولون البقاء متيقظين لتوفير الدعم في التو واللحظة، رغم شعور العجز عن الحماية الذي يعتريهم ويحاولون إخفاءه آنذاك".

ويشير أبو جامع إلى أن عدوان مايو/ آيار المنصرم، استهدف أناسًا يعيشون تحت حصار قرابة عقد ونصف من الزمان، "وهو ليس العدوان الأول، وبالتأكيد هذه التراكمات سببت بشكل رئيسي ازدياد حجم الضغوطات النفسية، وذلك وفقًا للقصف الذي كان يستمر لأكثر من نصف ساعة في ذات المكان، وما رافق ذلك من الشعور بالموت المحدق وعدم الأمان، وعدم القدرة على حماية الأطفال".

إذًا أي بيئةٍ سوية ستسمح بطرح سؤالٍ كالذي ورد ذكره في المقدمة على أهل غزة؟ وأي عاقلٍ هذا الذي يمكن أن يجلس ليستمع إلى إجابة أحدهم هنا؟ تتساءل منى وتختم بابتسامة قهر.

ويحيي العالم في العاشر من أكتوبر من كل عام، اليوم العالمي للصحة النفسية، بغرض إذكاء الوعي العام بقضايا الصحة النفسية، من خلال إجراء مناقشات أكثر انفتاحًا بشأن الأمراض النفسية، وتوظيف الاستثمارات في الخدمات ووسائل الوقاية على حد سواء.

وكان أول الاحتفالات بهذا اليوم عام 1992م، بناء على مبادرة من الاتحاد العالمي للصحة النفسية، شارك فيها أعضاء وشركاء في أكثر من 150 بلدًا حول العالم.