شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 20 اكتوبر 2021م17:02 بتوقيت القدس

لا دخل لعائلة منال ولا مأوى..

حكاية لجوء.. من "الموت" في سوريا إلى ما يشبهه بغزة

06 اكتوبر 2021 - 12:51
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

شبكة نوى، فلسطينيات: غزة: 

نظرةٌ واحدةٌ إلى المكان التي تعيش فيه مها- اسم مستعار- (37 عامًا)، كانت كفيلةً بالكشف عن حجم المأساة التي تُعانيها وعائلتها المكونة من زوجها ووالدته الطاعنة في العمر، وبناتها الثلاث.

 داخل شقّتها في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة لا أثاث يتزاحم، ولا رائحة طعامٍ تفوح من مطبخها، فقط بضع فرشات تتناثر وبعض الأغطية المتهالكة التي منحتها إياها يومًا جمعية خيرية.

مها، هي واحدة من نساء قطاع غزة اللاتي يعشن معاناة كبيرة بسبب النزوح المتكرر، والافتقار للأولويات والاحتياجات المختلفة، وأبسطها توفير المأكل والمشرب، فيما باتت معظمهن عُرضةً للضغوط الاجتماعية، والحرمان من كثيرٍ من الحقوق الأساسية.

في التفاصيل: أنهت الفلسطينية مها تعليمها الجامعي في تخصص تربية الأطفال بسوريا، وحين بدأت تستعد لبناء حياةٍ زوجيةٍ مع شريك العمر، لم تمهلها الأحداث هناك عقب اندلاع الثورة الكثير من الوقت، فبعد زفافها بخمسةٍ وأربعين يومًا، اعتًقل زوجها على أيدي قوات النظام السوري، وغاب خمس سنوات لم تعرف عنه خلالها شيئًا حتى أُطلق سراحه، فقررا معًا الانتقال لغزة.

 في البداية، كانت الحياة بغزة تشبه "عناقًا كبيرًا" ربّت على أحزانهم، فالأهل هنا، والمؤسسات الأهلية والرسمية وضعت نازحي سويا على سلم أولوياتها. هنا أنجبت مها داخل بيتٍ مستأجر ابنتها الأولى (وهي الآن بعمر 7 سنوات)، لكن مع استمرار الأزمات الاقتصادية والسياسية التي ألمت بالقطاع بسبب الحصار والهجمات الإسرائيلية المتكررة، أصبح الفقر والبطالة رفقاء لكل من يحلم ببناء حياته وتطبيب جروجها بغزة.

لم يكن زوج مها قادرًا على العمل أصلًا بعدما أصيب في ركبته أثناء التعذيب في سجون النظام السوري، ورغم أنها (مها)، حاصلة على شهادة جامعية، إلا أنها لم تحظ بفرصة عمل جيدة.

"فقط معلمة في واحدة من رياض الأطفال، أتقاضى راتبًا لا يتجاوز 150 شيقلًا (50 دولارًا شهريًا)" تقول لـ "نوى".

وتضيف: "كنت راضية، لكن الظروف الصحية لزوجي ووالدته أجبرتني على عدم الاستمرار، فهما بحاجة إلى الرعاية بالإضافة إلى بناتي الصغيرات"، مردفةً بالقول: "في غزة بدأت فصول معاناة لا تقل ضراوةً عما عايشناه في سوريا أبدًا".

الحياة القاسية في كرفان

بعد العدوان على قطاع غزة عام 2014م، قُصف منزل جار مها الملاصق للشقة السكنية التي تستأجرها وعائلتها في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، لكن صدمتها الكبرى كانت في استشهاد شقيقها الأوحد آنذاك.

 بدأت مها"حياة التشرد" كما تصفها، ومع امتداد سوء الأوضاع اضطرت لمغادرة الشجاعية، فانتقلت مجددًا لحياة لجوء، لكن هذه المرة كانت قاسية للغاية، إذ عاشت وأسرتها في الكرفانات التي تم منحها للسكان المتضررين من القصف على مدار أيام العدوان صيف 2014م.

لم يتركها الاحتلال عند ذلك أيضًا، فخلال العدوان الأخير على غزة في مايو\آيار الماضي، دمرت الطائرات الإسرائيلية كرفان الصفيح الذي بقِيت تسكنه أربعة أعوام، فلم يتبقّ من سقفه شيئًا، فيما غارت أرضيته غارت في بطن الأرض، وتناثرت أشلاء الأسِرَّة وفتات الملابس وحبات الدواء الخاصة بحماتها بين الركام.

تتابع: "الحياة في الكرفان أشبه بالموت البطيء، في الشتاء برودة قاتلة، وفي الصيف حرارة ورطوبة تفوق قدرة الأجساد على التحمل، ناهيك عن الحشرات والزواحف والقوارض التي تُهاجمنا في كل وقتٍ وحين".

ذات مرة خلال الصيف الماضي (والحديث لمها)، وبينما كانت تُحاول أن تنوّم بناتها سمعت ضجيجًا على سقف الصفيح الخاص بالكرفان، وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى سقط داخل الكرفان ثُعبان ضخم. "صحيحٌ أنه قُتل فورًا، لكنني حتى هذا الحين، لم أتخلص من خوفي وقلقي من أن يداهمني آخر فلا أتمكن منه" تعقّب.

حلم العمر "شقة صغيرة"

اليوم، تعيش مها على الكفاف، لا تملك من المال إلا ما يسد رمقها وعائلتها الصغيرة. قدّمت طلبًا للحصول على المساعدة النقدية التي تُقدمها وزارة التنمية الاجتماعية للفئات المطحونة في المجتمع الفلسطيني، وبالفعل حصلت عليها، وكانت السند الوحيد لها بعد الله في تأمين احتياجاتها.

تزيد: "أتقاضى 750 شيكلًا كل ثلاثة أشهر، لكنها تبقى فتاتًا لا يُسمن ولا يُغني من جوع أمام التزاماتٍ شاقة، واحتياجاتٍ أساسية".

ما يؤلم  مها أنها لا تستطيع أن تلبي احتياجات بناتها، فهي في غالبية الأحيان لا تملك شيكلًا واحدًا، أو حتى نصف شيكل -رغم قيمته الزهيدة- لتضعه في يد صغيرتها وهي ذاهبة إلى المدرسة لتكون مثل قريناتها.

ينفطر قلبها حين تُخبرها صغيرتها أنها لم تتمكن من الذهاب مع صديقتها إلى البائع المتجول أمام باب المدرسة لتأخذ منه حلوى غزل البنات الذي تُحبه، أو قطعة "جلي فراولة" طالما حلمت أن تتذوق طعمها.

وأمام تلك التفاصيل الصغيرة المؤرقة، يبقى حلم مها الأكبر امتلاك منزل مستقل صغير، تأمن فيه على نفسها وعائلتها التي تحب. "آمل أن ينظر إلي بعين الرأفة، أريد فقط منزلًا يؤويني فلا أضطر لدفع إيجاره كوني منعدمة الدخل تقريبًا، أو على الأقل الحصول على المنحة القطرية التي تقدم لأفقر الفقراء بغزة.

تتساءل السيدة الثلاثينية: "هل يُمكن استثنائي هكذا، وتجاهل كل ما مررت به بين سوريا وغزة؟ والظروف التي أعيشها داخل وطني؟"، مردفةً بأسى: "أنا أعيش ظروفًا صحية ونفسية قاسية جدًا، بكل ما تحمله الكلمة من معنى".