شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 20 اكتوبر 2021م17:14 بتوقيت القدس

طموح "الزهراء" قنديلها وفي قاموسها.. "الإعاقة"  كلمة

05 اكتوبر 2021 - 11:46
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

شبكة نوى، فلسطينيات: بيت لاهيا :

ما أن تقترب من منزل الفتاة الفلسطينية الكفيفة الزهراء أبو الكاس (25 عامًا) الكائن في حي "تل قليبو"، التابع لمدينة بيت لاهيا (شمال قطاع غزة)، حتى تستقبلك رائحة الورود والزهور والأشجار التي تُزيِّن مدخل بيتها.

هناك يجذبك منظر العشب الذي هذَّبته بنفسها لإضفاء البهجة أثناء الجلوس في هذا المكان.
كنا على موعد معها في أحد أيام سبتمبر (أيلول) 2021، وهذا التوقيت جعلها تختار مكانًا تخفُّ فيه وطأة الحر، فهيَّأت زاويةً هادئة تزيدها نسمات الهواء جمالًا.

تخبرنا الزهراء أنها أصيبت -وهي في العاشرة من عمرها- بمرض «بهجت»، وهو (اضطرابٌ نادر يسبب التهاب الأوعية الدموية في كل الجسد)، وقد مرت لسنوات برحلة علاجٍ مُرة لم تمنع من إصابتها بأحد أصعب مضاعفات هذا المرض، وهو الفقدان الكلي للبصر.

تحدّثت الزهراء عن جحيم العدوان الإسرائيلي الذي عاشت تفاصيله في مايو\أيار الماضي، وهي التي تعيش في منطقةٍ حدودية شمالي قطاع غزة تسمى "تل قليبو"، حيث شنت طائرات الاحتلال بشكلٍ مفاجئ غاراتها على المسجد القريب، في منتصف مايو، فقتلت شابين من جيرانها هما: يوسف وأحمد حاتم المنسي"، وهو الوضع الذي دفع بعائلة الزهراء، التي نجت بأعجوبة من 17 غارة استهدفت المسجد والمنازل المجاورة، إلى اتخاذ القرار بالنزوح بسرعة.

تقول لـ"نوى": "مع كل صوت قصف كنتُ أتخيل نفسي وقد أُصبت. أتخيل نفسي وقد فقدت جزءًا من جسدي أو فقدت حاسة السمع التي تسندني في معرفة الحياة"، موضحةً أن شكل النزوح كان قاسيًا عندما وجدت نفسها في غير بيتها الذي حفظت كل جزء فيه. "كانت تحركاتي للضرورة القصوى، أجلس في مكاني أتحسس يد أمي القريبة مني، ووصلت الأمور لحد عدم تمكني من النوم أكثر من ساعتين يوميًّا هناك".

طموحات كبيرة وواقع مرير

 تخرجت الزهراء عام 2018 من قسم الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية، وسرعان ما اصطدمت بعد التخرج بواقع البطالة الذي بلغ بين الخريجين الجامعيين العام الماضي في قطاع غزة 78%.

حاولت الزهراء أن تشغل نفسها -حتى تجد وظيفة- بالالتحاق ببرنامج الدراسات العليا (الماجستير)، على أمل أن تحظى بفرصة عملٍ كمعيدةٍ في نفس الجامعة، حيث تكفَّل أشقاؤها الذين يعملون في القطاع الخاص برعايتها ماديًّا، "رغم أنهم عانوا كثيرًا –مثل غالبية سكان قطاع غزة- بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض منذ 15 عامًا، ومن بعده أزمة فايروس كورونا التي أضرت بالقطاع الاقتصادي كله.

توضح الزهراء أنها خلال سنوات ما بعد التخرج من البكالوريوس، حصلت على الكثير من الوعود للحصول على فرصة عمل ضمن برنامج التشغيل المؤقت في قطاع غزة، الذي يستهدف الخريجين لبضعة أشهر، خاصة أنها يتيمة الأب، "وقد حرمت عائلتي لأسباب غير معروفة من مخصصات الشؤون الاجتماعية الحكومية" تضيف.

وتبعًا لها، فقد قدمت أوراقها في العديد من الجمعيات والمؤسسات المعنية بالتوظيف، لكن –تستدرك- "إن أمر التوظيف تتحكم به المحسوبية والواسطة بالدرجة الأولى، فلا تتوزع الفرص بعدالة، بل إن هناك تمييزٌ حتى بين الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية الجزئية والكلية".
قبل بضعة أيام، فوجئت الزهراء بإثارة قضية حرمان الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية الذين تقدموا للوظائف التعليمية، عندما اتخذت لجنة ديوان الموظفين بغزة قرارًا مسبقًا غير معلن من الجهات العليا في الحكومة، بوضع "غير لائق" لكل الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية الكلية الذين تقدموا للوظيفة.

وعلى الرغم من وضوح بنود القانون، فإن لجنة متابعة العمل الحكومي بغزة وديوان الموظفين أقرّا اللائحة التفسيرية لقانون "توظيف ذوي الإعاقة"، التي تنص على: "أن يكون الشخص منتجًا وقادرًا على أداء المهام المرتبطة بالوظيفة، وأن يتناسب مستوى الإعاقة للشخص المتقدم للوظيفة مع متطلبات هذه الوظيفة، وأن يتمكن من أداء المهام الوظيفية من دون مساعدة الآخرين، وفي حدود الوظيفة، من دون وجود عوائق أو قيود مكانية".

تُعقّب الزهراء على ذلك بقولها: "أشعرني ذلك بإحباطٍ كبير، وتساءلت: لماذا يجعلوننا ندرس حتى نصل لدرجة الماجستير ثم يصدموننا بأنه  لا توظيف لنا؟ حُلمي أن أعمل من أجل الاستقلالية المالية، وأن أعتمد على نفسي في كل شيء، وكذلك أن أرد الجميل لأشقائي".

)كوفيد 19)

عرجت الزهراء خلال حديثها لـ "نوى" على أزمة فايروس (كوفيد- 19) في قطاع غزة، وانتشاره منذ أغسطس \آب 2020م. فقالت: "كان ذهابي إلى الجامعة لمباشرة الدراسة بمثابة جحيم، كنتُ مضطرة لقطع مسافة كبيرة من شمال قطاع غزة حتى وسطها في المواصلات العامة، ثم التنقل داخل قاعات المحاضرات، والمكتبة، ومكاتب المدرسين، مع صعوبة أخذ الاحتياطات الوقائية".

وتتابع: "انتابني الخوف الشديد من العدوى بسبب اضطراري للاستعانة بالمواصلات العامة، فيما كانت فكرة العزل الإجباري تحاصرني. أتخيل نفسي وقد أُصبت وبقيت وحدي في المستشفى دون أهلي، خاصة أن القطاع الصحي بغزة يعاني من تدهور كبير".

وتعاني الزهراء من عدم ملاءمة الأماكن في قطاع غزة للأشخاص ذوي الإعاقة، التي ينص على توفيرها القانون؛ بغية مساعدتهم عند الخروج من بيوتهم والحصول على حقهم في التعليم المدرسي والجامعي والمهني.

تعلق بالقول: "مجرد مشوار صغير، هو بمثابة معاناة كبيرة بالنسبة لي. هذا الوضع كان يضعني بعض الأحيان في إحراج كبير، ويجعلني بحاجةٍ دومًا لمن يخرج معي من أهلي لقضاء مصلحة لي هنا أو هناك".

وتكمل: "إن المجتمع في قطاع غزة، لا يزال غير واعٍ وغير واثق بقدرات الأشخاص ذوي الإعاقة (..) يعتقدون أننا عاجزون عن فعل الكثير من الأشياء، ويمارسون الشفقة من جهة، ومن جهة أخرى يزعجوننا بالكثير من الأسئلة التي تحمل تنمرًا كبيرًا –غالبًا- ضدنا".

تصمت ثم تضيف: "المجتمع –إلا من رحم الله- مستفِزّ ولا يحترم خصوصية أحد. شكرًا لعائلتي التي ساعدتني على تخطي الكثير مما يفرضه المجتمع علينا".

اليوم، تقضي الزهراء يومها على أمل أن يكون غدها أفضل، فتحقق ذاتها، وتنعم بفرصة عمل تلبي طموحاتها، وترد من خلال راتبها جزءًا بسيطًا من الجميل لعائلتها. حتى ذلك الحين، تعيش تحديًا كبيرًا لإثبات نفسها أمام المجتمع، وتُغالب كل يومٍ شعورها بالرعب من المستقبل القريب، لكن تودّعنا بالفخر أنها تستطيع إنجاز كافة أعمال المنزل دون مساعدة، بل إنها تتفوق على بنات جيلها في تلك الأعمال.