شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 18 سبتمبر 2021م18:47 بتوقيت القدس

"امتياز" لأبحاث "مدفوعة الثمن"..

"دكاكين" للبحث العلمي تبيع "مستقبل جيلٍ" بغزّة

14 سبتمبر 2021 - 08:14

غزة:

"هل أنت طالبٌ على وشك التخرج؟ هل تريد إعداد مشروع تخرج مميز، وليس لديك الوقت الكافي لذلك؟ نحن نستطيع مساعدتك" كان هذا جزء من إعلانٍ ضمن سربٍ ضخم من الإعلانات التي تطوف أجواء مواقع التواصل الاجتماعي، لإغراء الطلبة بالحصول على أبحاث "جاهزة"، ومدفوعة الثمن من ألفها إلى يائها، وبلا أدنى جهد!

الجزء الصادم، حمله بقية الإعلان، عندما أشار إلى أن الفئة المستهدفة، ليست من طلبة البكالوريوس وحسب، إذ جاء وفق تصميمه: "لدينا فريق عمل كامل لإنجاز جميع الأبحاث، ورسائل الماجستير، والدكتوراه، لجميع الجامعات، وبكافة التخصصات أيضًا"!

وهنا ليس على المستقبل الباحث عن "راحة راسه" إلا أن يتواصل عبر أرقامٍ معلنة وواضحة، وتجهيز جيبه بمبلغٍ وقدره.

هنا لا تنتهي الحكاية بل تبدأ، لتتحدث عن جيلٍ من الخريجين وأصحاب المسميات –إلا من رحم الله- لا يعرفون عن تخصصاتهم شيئًا، بعضهم أخذ علامة "امتيازٍ مع مرتبة الشرف" ليصبح اليوم في مكانه اسمًا بلا إنجاز بفضل مكتبات "تبيع أبحاث التخرج". التفاصيل تتبع:

"على عينك يا تاجر"

هذه "الظاهرة" إن جاز لنا التعبير ليست وليدة اللحظة، لكن الذي استجد هو تجرؤ مكتبات ومراكز تعليمية، على نشر إعلانات لإعداد هذه الأبحاث، وكما يقال: "على عينك يا تاجر" مذيّلة باسم المركز، أو المكتبة، وعنوانها، وقنوات التواصل، دون أي اعتبارٍ لرقابة وزارة التربية والتعليم أو الجهات القانونية.

ما سبق كان واحدًا من هذه الإعلانات –وكان ممولًا- وقد لاقى ذهولًا واستغرابًا شديدَين من قبل المتابعين، إذ علق عليه أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر رمضان العيلة بالقول: "بعوّض الله على العلم، مادامت المكتبات تقوم بدور الباحث، الذي ما عليه سوى كتابة اسمه مقابل مبلغ من المال".

وأضاف في تعليقه: "هذه شهادة وفاة للعلم والدرجات العلمية، ويفترض حرمان أي شخص يثبت إقدامه على ذلك من الدرجة العلمية إلى الأبد... يا حيف بس، من أجل المال يُدمّر التعليم".

ماجد أبو النجا علق هو الآخر على منشور الإعلان بقوله: "لا يوجد شيء اسمه مساعدة الباحث، يجب على الباحث أن يعمل بنفسه، هذا غِش"، فيما طالب زهير السيلاوي بمحاسبة مثل هذه المكتبات وإغلاقها".

لكن الشاب أحمد مصطفى كان له رأي مغاير، عندما رد على التعليقات السابقة بقوله: "والله الإخوة يتكلمون وكأن الجامعات عندنا بروفيشنال، وكل المشاكل موجودة في المكاتب التي تعمل بمقابل، يا ريت هالحرقة نشوفها على الجامعات التي باتت تجارية تهدف للربح وليس للتعليم إلا ما ندر"، متهمًا الجامعات بتشغيل محاضرين لديها بـ"الواسطة" على حد تعبيره.

وبحسب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فإن عدد الجامعات في فلسطين عام 2020م، بلغ 52 جامعة وكلية، وقد بلغ عدد الطلاب الملتحقين بها قرابة 218 ألف طالب وطالبة، تخرج منهم 43 ألفًا في العام الدراسي 2019/2020م.

بكالوريوس بـ 400 شيكل!

وبالعودة إلى المنشور السابق فقد خرج آدمن الصفحة أخيرًا عن صمته، محاولًا التبرير فقال: "ما نقوم به هو المساعدة من خلال التوجيه في إعداد المنهجية السليمة للبحث العلمي، وإجراء التحليلات الإحصائية".

تعليق الآدمن دفعنا للتواصل معه عبر "واتساب" كطالبٍ على وشك التخرج، وطلبنا منه إعداد بحثٍ لنيل درجة البكالوريوس- قسم الخدمة الاجتماعية، من الألف إلى الياء فوافق على الفور مقابل دفع مبلغ 400 شيكل!

سألناه مرةً ثانية: "هل بإمكانكم إعداد رسائل ماجستير؟ وكم تكلفتها؟ فرد: بالطبع، نقوم بذلك، والمبلغ يتحدد بحسب العنوان والتخصص".

عبّرنا عن مخاوفنا من أن يتمكن المشرف من اكتشاف أن بحثنا أُعد في الخارج، إلا أن الآدمن طمأننا بالقول: "فش خوف نهائي، بعملك عنوان جديد وشغل مرتب".

ماجستير بـ2500 شيكل!

تواصلت "نوى" مع مركزٍ آخر عبر موقع "فيس بوك"، وطلبت منه إعداد رسالة ماجستير في تخصص الصحافة والإعلام، فوافق على الفور مقابل 2500 شيكل! هذه المرة واجهنا الباحث المفترض بحقيقة الأمر، فما كان منه إلا أن دافع عن "مصدر رزقه"، قائلًا: "مثل ما الدكتور باب رزقه التدريس بالجامعات، أنا باب رزقي عمل الأبحاث".

وبرر عمله بالقول: "أنا مبدأ عملي بالبحوث ليس التجارة فقط، صح باشتغل بالبحوث، بس ولا مرة تسببت بأذى لأحد، والطالب بروح على المناقشة فاهم كل شيء".

وتابع: "في ناس كتير قدراتهم العقلية محدودة، وربنا خلقنا متفاوتين، فدوري هو مساعدتهم على التخرج"، معربًا عن أسفه من أن يحتكر العلم فئة معينة من المجتمع!

ويشار إلى أن الحكومة الفلسطينية، أعادت فصل وزارة التعليم العالي، عن وزارة التربية والتعليم في 10 مارس/ آذار، من العام 2019م، ليصبح اسمها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الفلسطيني، وفقاً لوكالة الأنباء الرسمية "وفا".

استسهال وعدم تأهيل

وعن أسباب لجوء الطلبة لشراء الأبحاث الجاهزة، قال أستاذ الإعلام وعميد كلية الآداب الأسبق بالجامعة الإسلامية بغزة د.جواد الدلو: "ذلك يعود إلى عدم التأهيل الجيد من قبل الجامعات للطبة، من أجل إجراء أبحاث علمية جادة وصحيحة، إضافةً إلى استسهال الطلبة ذلك".

وأضاف: "المسؤولية عن انتشار هذه الظاهرة مشتركة بين الجامعة ويمثلها المُدرّس، والطالب"، مشيرًا إلى أن متابعة المُدرس للطالب وقراءته لكل كلمة يكتبها سيشعره بصعوبة اللجوء لشراء الأبحاث الجاهزة.

ورأى الدلو الذي أشرف على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه، أن تقديم الطلبة الذين يلجؤون إلى هذه الخطوة "المشينة" لمجالس التأديب، وإنزال العقوبة عليهم، سيسهل القضاء على الظاهرة بكل تأكيد.

وأشار إلى أن الطالب الذي لا يُعِد بحثه بنفسه سيتخرج فارغًا، ولن يستطيع الإسهام في تقدم المجتمع، كما أنه لن يستطع منافسة نظرائه الذين أعدوا بحوثهم بأنفسهم في سوق العمل.

وحول مدى قدرة المشرفين على كشف الأبحاث الجاهزة، تابع يقول: "ذلك ليس بالأمر الصعب، لكنه يتطلب من المدرس متابعة طالبه أولًا بأول، وقراءة ما أعده، ناهيك عن ضرورة تبحّره في التخصص الذي يدرّسه".

وأشار الدلو إلى أن تركيز بعض الأساتذة على الجوانب النظرية دون العملية، من شأنه أن يُحدث فجوةً لدى الباحث، تجعله عاجزًا عن إعداد البحث بنفسه، مشددًا على ضرورة معالجة هذه الفجوة عبر تنظيم محاضرات تتصل بقاعة البحث، وتوضح كيفية إجراء البحوث الميدانية، والتحليلية، على أرض الواقع.

مرحلة التثبت!

من جانبه أقر مدير عام وزارة التربية والتعليم العالي د.خليل حمّاد، بوجود هذه الظاهرة، مشيرًا إلى أن الوزارة جادة في محاربتها عبر اتخاذ سلسلة إجراءات بحق المخالفين، بدايةً من التثبت، ثم التحذير الشديد، وبعد ذلك الإحالة إلى النيابة العامة.

وعن عدد المخالفات التي تم إحالتها للنيابة، أوضح حماد أن الوزارة ما زالت في مرحلة التثبت، ملفتًا إلى أن المشكلة لا يمكن القضاء عليها بوصفة سحرية، "خاصةً وأن الوزارة لا تملك سوطًا للضرب على يد بائعي هذه الأبحاث".

وشدد على أن بيع الأبحاث مخالف للقانون، مشيرًا إلى أن الهدف من إعداد الأبحاث هو تأسيس جيل قادر على البحث في أي موضوع، يلبي احتياجات المجتمع الفلسطيني.

وبيّن حماد أن وزارة التربية والتعليم تجتمع من وقت لآخر، مع عمادة الدارسات العليا والبحث العلمي في جامعات غزة، لتدارس هذه القضية.

ونبه إلى أن الوزارة أعدت برنامجًا لفحص السرقات البحثية، فإذا ما زادت نسبة السرقة في البحث عن نسبة معينة، يُرفض البحث من الألف إلى الياء، "وقد تم بدء العمل بهذا البرنامج منذ ثلاث سنوات" يؤكد.

ويبقى التساؤل مطروحًا: متى ستتخطى وزارة التربية والتعليم مرحلة التثبت والإنذار في ملاحقة "دكاكين البحث العلمي" إلى اتخاذ إجراءات قانونية رادعة بحقهم؟ إلى ذلك الحين، هل يمكنكم أن تخمنوا أصدقاءنا القراء، كما طالبًا سيحصل على شهادته العلمية، بعد إتمامه بحث التخرج مقابل المال؟

كاريكاتـــــير