شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 18 سبتمبر 2021م20:03 بتوقيت القدس

أعيد اعتقاله بعد فراره من "جلبوع"..

محمد العارضة في حلم أمه "عريس على فرس"

12 سبتمبر 2021 - 22:34

شبكة نوى | جنين:

"أنا خايفة على محمد"، بضع كلماتٍ هزّت عرش القلب تفوهت بها والدة الأسير محمد عارضة، المعتقل في سجون الاحتلال منذ عام 2002م.

محمد هو واحد من بين ستة أسرى، استطاعوا الفرار من سجن "جلبوع" الإسرائيلي، عبر نفق حفروه داخل حمام السجن ليلة الخامس من سبتمبر الجاري، ليعتقل بعد خمسة أيامٍ فقط برفقة زميله زكريا الزبيدي، وذلك عقب 48 ساعة من اعتقال زميليه في الفرار، الأسيرين محمود عارضة (ابن عمه)، ويعقوب قادري.

ظهرت أم محمد في مقطع فيديو كحمامةٍ ضاع أمانها، تنتزع الكلمات من قلبها بثقل. "إنه محمد أول الفرحة، وفلذة الكبد". ترهقها الأسئلة حول حاله الآن: ماذا سيفعلون به؟ كيف سيعذبونه؟ أنا في كابوس أم أنني أعيش حقيقةً مرعبة؟ هل اعتقلوه حقًا؟!

لوهلةٍ ظنّت –وهي المحرومة من لقائه 20 عامًا- أنها ستلتقيه ولو بالخفاء. أنها ستنتشق عطر الصمود حين تعانقه "لو للحظة"، ليأتي الخبر ويضرب في قلبها وريد الأمل "أعيد اعتقال محمد".

وُلد محمد قاسم أحمد عارضة، في الثالث من سبتمبر/ أيلول 1982، في بلدة عرّابة جنوبي قضاء جنين شمالي الضفة الغربية، ودرس المرحلتين الابتدائية والإعدادية في مدارس بلدة عرابة. بعد أن التحق بمدرسة عرابة الثانوية، اعتقلته السلطة الفلسطينية قبل أن يحصل على شهادة الثانوية العامة (التوجيهي) في يناير/ كانون الثاني من عام 2000، ليعتقل بعد الإفراج عنه على يد سلطات الاحتلال الإسرائيلية عام 2001 بتهمة الانتماء لسرايا القدس، الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي.

لم ينم محمد في فراشه منذ 20 عامًا، لم يجلس على مائدة طعام أسرته، ولم يحقق أمنياته الشخصية، فهو محكوم بالسجن ثلاثة مؤبدات وعشرين عامًا. 

للمرّة الأولى يتحرّر من السجن لمدّة خمسة أيام، للمرّة الأولى حطت قدماه على التراب، وشاهد أشجارًا وسماءً واسعة، وتنفّس هواءً غير هواء السجن المعبق بالرطوبة.. للمرّة الأولى ربما فكر هذا الأسير: ماذا لو لم تكن فلسطين محتلة؟ هل أكون اليوم بين عائلتي؟ ولي زوجة وأطفال؟

أمنيات أمّ محمد كانت هكذا تمامًا، قالتها بصراحة: "أريده هو تحديدًا من بين أبنائي، أريد أن أشتم رائحته، وأضمه إلى قلبي".

وتزيد: "أنا بدي محمد.. عندي ياه بكل الدنيا، تقولولش قاعدة ناسية ابنها (..) أنا عندي أمل محمد يرجع وأزفه عريس، ومش أي عريس كمان".

تريده عريسًا على فرس، يتزيّن ببدلة زفافه، يحمله أصدقاؤه ويطيرون فرحًا به، ويغنّون على مسامعه الأغاني الشعبية. تصمت، ثم تعقب وقد رفعت أكفها إلى السماء: "بس عريس حي، مش عريس ممدد على أكتاف المعزين".

كانت آخر مرةٍ زارت فيها أم محمد ابنها الأسير قبل أسبوعٍ واحدٍ من فراره عبر النفق مع رفاقه الخمسة، ذلك بعد انقطاعٍ مدّته عام ونصف، بذريعة منع الزيارات للحد من انتشار فايروس كورونا. 

زيارةٌ أخيرة لن تعرف متى سوف تتكرر! هل من أمل في أن يخرج بصفقة تبادل؟ "ربما يحدث ذلك بمعجزة" تقول.

محمد لمن لا يعرفه، يشرب من نبع الحياة ما استطاع إليه سبيلًا، ولو من خلف قضبان المحتل. خلال اعتقاله، حصل على دورات عديدة في تخصصات دينية وسياسية وثقافية، إلى جانب حصوله على شهادة بكالوريوس في علم التاريخ من جامعة الأقصى بغزة، وشهادة ماجستير مهني في إدارة الأعمال، تخصّص إدارة مؤسسات، من جامعة القاهرة في مصر، فيما أكمل حفظ  القرآن غيبًا.

هو إنسان يعيش في بلد محتل، سُلبت حريته حينما فكر بالدفاع عنها، ليحقق أحلامه وأحلام أبناء جيله العادية، "البسيطة" بوصفٍ أدق. هو لم يستطع تحمل سرقة أرضه، ولا قتل أصدقائه، ولا مباغتة منزله من قبل الجنود ولا حتى تجولهم في شوارع مدينته. هكذا هو "الحر" لا يقبل ظلمًا ولا ينحني لظالم.

كاريكاتـــــير