شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 18 يناير 2022م20:36 بتوقيت القدس

نصوص "آية" عن زوجها الشهيد.. حتى لا تنتهي الحكاية

10 سبتمبر 2021 - 10:20

غزة:

"يارفيقَ الحُب.. اِعلَم أن العمرَ الذي أقضيه مشتاقًا إليكَ يفوق فكرة الزمن، هذا الشوق منبّهٌ بلا توقيت، وهذه الأيام عندي سواء.. إنها تمرُّ فوق قلبي وقبرِك".

كان هذا جزءًا من منشورٍ كتبته زوجة شهيد قبل يومين فقط. وهو واحدٌ من عشرات النصوص التي لم تنقطع عن كتابتها منذ أن فقدت "روحها" وسند أيامها "أسامة".

آية أبو طاقية (33 عامًا)، صحفيةٌ تكتب اليوم بمدادٍ من "وجع" حكايا الفراق، ذلك البعد الذي لم تختره ولم يختره هو. البُعدُ الموحشُ الذي يأتي على شكل "موت" بعد صوت انفجار.

تقول آية في منشورها الأخير نفسه: "في يومٍ ربتت على قلبي صديقة: "العمر الذي ينفدُ لا يبتعد، إنما يُقربكِ إليه" ثم ختمت تُطمئِنُ روحه: "ياصاحبي نحن نقترب بالعمر ولا نبتعد".

بالعودة إلى ذلك اليوم قاتم الأحداث، كانت آية في مزاجٍ يرفرف فرحًا. اليوم يوم العائلة، وقد اتفقت وزوجها على أخذ الأولاد إلى شاطئ البحر –بعد العمل- لعلّ زرقته تطبطب على أرواحهم بعد 11 يومًا من العدوان المتواصل على قطاع غزة خلال مايو/ آيار الماضي.

في ذلك اليوم، خرجت آية إلى عملها صباحًا، وقد أدهشها إصرار زوجها "أسامة جنينة" (35 عامًا) على اصطحابها للعمل بنفسه، على غير العادة.

"لم أكن أعلم أنها ستكون آخر مرةٍ أراه فيها" قالتها بعد تنهيدةٍ تقطر ألمًا، وأكملت: "كان اليوم الثاني من شهر يونيو/ حزيران، وكانت الساعة تشير إلى الرابعة عصرًا، وبينما كنت أترقب عودة أسامة لنخرج برحلتنا، وصلني خبر استشهاده".

قالوا إن أسامة استشهد جرّاء انفجار جسمٍ مشبوه من مخلفات الاحتلال، خلال عمله في قسم هندسة المتفجرات المتخصصة بتفكيك الصواريخ التي لم تنفجر، والتي ألقت بها "إسرائيل" فوق رؤوس الأبرياء في غزة انتقامًا من صمودهم!

فجأةً تحول ذلك الفرح في قلب آية إلى عزاء. تذكرت في تلك اللحظة كيف اتصل بها عدة مكالمات هاتفية ليطمئن على أحوالها "وهو الذي ليس من عادته أن يتصل بها أصلًا"، "وكان آخرها قبل دقائق من نبأ استشهاده" تضيف.

تكمل آية: "قبل إعلان النبأ، وصلتُ إلى البيت، وشهدت فرحة أطفالي وهم ينتظرون والدهم، في ذلك الوقت جاءني اتصال يخبرني فيه أحدهم بأن أسامة استشهد"، وحينها حاولت أن تبتلع ريقها فلم تستطع، لم تبكِ وحاولت أن تتماسك قدر المستطاع لئلا يفزع أطفالها.

"ظننتها في البداية مزحة ثقيلة من زوجها نفسه، لكن ما إن وصل الخبر عائلته أيضًا حتى صار الأمر يقينًا بالنسبة لي" تزيد، في تلك اللحظات نظرت آية إلى أطفالها الثلاثة عمر ولين مريم الذين واصلوا التحديق بها وكأنها أملهم الوحيد، ثم بدأوا يبكون، فلم تجد سبيلًا لتهدئتهم إلا أن تكذب ما يقال أمامهم، وتخبرهم بأن والدهم سيتأخر، لكنه سيأتي في النهاية لاصطحابهم.

تحاول آية مسح تلك المشاهد من ذاكرتها لتخبرنا أنها على صعيدها الشخصي، لم تكن قد تخلصت من آثار العدوان النفسية، في تلك الآونة "فلطالما استأذنت من عملها لتتجول في الشوارع وسط الركام وهي تحاول تخمين: من سيكون الشهيد التالي، ومع أي عائلة من العائلات سيكون لقاءها الصحفي ممزوجًا بالألم والدموع.

تستدرك: "بالرغم من تعاطفي مع أسر الشهداء، وشعوري بأن أي شهيد هو واحد من أفراد عائلتي، إلا أنني لم أتخيل يومًا أن أصبح حكاية، وأن أخضع لمقابلات صحفية، تسألني عن قطعةٍ من قلبي، زوجي أسامة".

لم يعرف أحد ما حدث مع  الشهيد أسامة، "لقد رحل شهيدًا صامتًا" تصفه، وتكمل: "كان أسامة أمينًا على عمله، ولم يعتذر يومًا عن أداء واجبه أيا كان الخطر الذي يحدق به، كان يخفي الخوف والألم داخله، فلم ينقل لنا يومًا أي هاجس، أو قلق، بل يعود إلينا في كل يومٍ ضاحكًا مستبشرًا"، ملفتة إلى أن أي خطرٍ كان يعمل به "كان دافعه الأول، أن يعيش أبناء شعبه بأمان".

اليوم تجتمع آية بأطفالها في كل مساء بغرفة الجلوس، تمامًا كما كان يفعل أبوهم، لتروي لهم قصة البطل أسامة، وتكمل ما زرعه فيهم من حب للوطن، وإخلاصٍ للعمل من أجله.

آية تخبر أطفالها كل يومٍ، كيف آثر والدهم الموت ليؤمّن حياة الناس في وطنه، ويبعد عنهم خطرًا زرعه الاحتلال ليمعن القتل في المدنيين العزل، تقول: "هنا، يصرون على التشبه به، والانتماء لنهج مقاومة المحتل".

ما زالت آية تمر يوميًا على مقطعٍ كتبته صباح ذلك اليوم، أي قبل استشهاد أسامة: "وجع الفلسطينيات بقاء.. ووجع المحتل رحيل". تعقب: "لم أتخيل أن أكون أنا صاحبة ذلك الوجع الرابض بين السطور، وكأنني أكتب لنفسي رسالةً تشد من أزري. كتبتُها صباحًا وتلقيت التعازي في زوجي مساءً".

لا تنتهي نصوص آية، تلك المشاعر والذكريات تتسابق في صفحتها عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" لتضع سهمًا في قلب "إسرائيل"، "تلك التي تظن أن شهيدنا يموت".