شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 25 اكتوبر 2021م22:57 بتوقيت القدس

"عندما أتحرر سيكون طفلي بـ لحيةٍ وشارب"..

من يُطفئ نارًا في قلب "إسراء الجعابيص"؟

07 سبتمبر 2021 - 17:20

غزة:

بشخصية المهرج "سوسو"، لطالما زرَعت الفرح في نفوس الأطفال وكبار السن بمدينة القدس، قبل أن يُطفِىء الاحتلال بريق ضحكاتها ويقلب حياتها "غمًا".

الأسيرة الفلسطينية "إسراء الجعابيص" التي اعتُقلت قبل ست سنواتٍ بعد حريقٍ شبّ في سيارتها، تقضي اليوم عامها السابع خلف قضبان المحتل؛ رغم صعوبة وضعها الصحي والحروق من الدرجة الثالثة، التي تعرضت لها يوم الاعتقال، وغطّت 65% من جسدها.

وفي التفاصيل: إسراء هي ابنة بلدة بيت حنينا في القدس المحتلة، بدأت حكايتها يوم الحادي عشر من أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2015م، عندما كانت تنقل بعض أثاث بيتها بسيارتها إلى مكان سكنها الجديد، إلا أن السيارة تعطّلت فجأة وانفجر بالون بجوار المقود على بعد 1500 مترًا من مستوطنة معاليه أدوميم، ما أدى إلى اندلاع حريق.

إسراء التي كانت تحمل معها أسطوانة غاز، خرجت من السيارة وقد أمسكت النيران بثيابها وبدأت تصرخ طالبةً المساعدة، لتفاجأ بجنود الاحتلال يعتقلونها على هذه الحالة، ويدعون أنها حاولت استهدافهم لتبدأ من هنا فصول معاناةٍ لم يكتب التاريخ "وجعًا" يشبهها من قبل.

إسراء، هي واحدة من تسعة أشقاء، كانت شابة نشيطة مرهفة الحسّ، تهوى الفن التشكيلي، والسباحة، والكتابة الأدبية، والتمثيل، والمسرح، عملت مهرّجةً متطوعةً للأطفال وكبار السن، ولطالما وجدت في إسعادهم متعةً ورضا.

تقول شقيقتها منى الجعابيص لـ"نوى": "منذ صغرها تهوى إسراء التطريز، وتستمتع بأنشطة إعادة التدوير، وقد أبدعت بهذا المجال وتعلقت به لدرجة أنها ما زالت تمارسه حتى داخل السجن رغم صعوبة إصابتها".

تستذكر منى كيف كانت وإسراء تجلسان سويًا لكتابة النثر والخواطر، ورسم اللوحات الأنيقة "هذه الهوايات طّوّرتها إسراء ذاتيًا، ومارستها حبًا في الأدب والرسم، "لدينا في بيوتنا الكثير من الهدايا التي قدمتها لنا إسراء من مواد أعادت تدويرها، لا أعرف كيف يمكن لبعض القضبان أن تقف عائقًا في طريق إبداعٍ كهذا" تضيف.

ذات يوم، استغنى منجّد يسكن في منطقتهم عن كومةٍ من دفاتر الأقمشة، فأخذتهم أمها كي تستخدمهم في المطبخ، "إلا أن إسراء أبَت. أخذتهم منها، وصنعت بهم –وفقًا لأختها- لوحات فنية راقية، زيّنت بها جدران البيت".

"حتى الموقع الإلكتروني الذي تم إنشاؤه للتضامن مع إسراء يحتوي أعمالًا نفذتها كلها وهي داخل السجن" تؤكد منى، ملفتةً إلى أنها وبسبب فقدانها ثمانية من أصابعها بسبب الحريق، تتلقى مساعدةً من قبل الأسيرات، لا سيما في حفر الزيتون "لكنها بكل الأحوال بذلت جهدًا عظيمًا كي تعتمد على نفسها" تردف.

حتى عام 2015، عملت إسراء متطوعة في مؤسسة لرعاية المسنين، وحصلت على شهادة في هذا المجال، إلى جانب دراستها لتخصص التربية الخاصة الذي استفادت منه بشكلٍ واضحٍ خلال فترة تواجدها في السجن.

لطالما أحبّت العمل مع الصغار، وسعت من خلال شخصية المهرّج "سوسو" صاحب الملابس المزركشة، المتفاوتة بين الأزرق والأحمر، أن تنثر السعادة والبهجة بينهم، "حتى أن أول عرضٍ قدمته لهم، كان تطوعًا في مدرسة ابنها المعتصم، الذي يبلغ من العمر الآن 11 عامًا".

تزيد منى: "عمِلَت مهرجة مع أكثر من مؤسسة ومدرسة، وفي مستشفيات الأطفال، أذكر آخر عرض أدّته قبل اعتقالها، كان لصالح مستشفى خاص بالأطفال المصابين بالسرطان، ذهبتُ يومها لاصطحابها وقد تمكنتُ من حضور الخاتمة.. لا يمكنني نسيان ضحكات الأطفال، والبهجة التي رسمتها على وجوههم في ذلك اليوم".

الشقية إسراء، تلك الصبية الضحوكة التي هدم الاحتلال منزل عائلتها ثلاث مرات، أولها عام 1998، ساعدت والدها في حمل الحجارة والبناء، وكثيرًا ما عادت إلى البيت تحمل ملابس المهرجين التي توزّعها على أفراد عائلتها ليلبسوها، ويمثلوا أدوار الحضور في "بروفات" العروض.

أما طفلها معتصم، الذي ارتبطت به بعلاقة مميزة وما زالت، أرادت أن تجعل منه عصاميًا، فأشرفت بنفسها على دراسته وعلّمته السباحة والرسم الذي كان يحبه صغيرًا، ودرّبته على ألا ينفق كل مصروفه، وأن يدّخر منه جزءًا ليشتري به أشياءً من جهده. تعقّب منى وهي تضحك بمرارة: "معتصم كذلك حتى الآن".

حول وضع أختها الصحي تتابع: "هي بحاجة لعدة عمليات جراحية وعلاج طويل، إذ تعاني من تقيحات في الجلد، وقد تم بتر أصابعها الثمانية"، منبهةً إل ى أن عائلتها طالبت مرارًا بتوفير العلاج اللازم لها لكن دون جدوى. هنا تصمت قليلًا قبل أن تكمل: "للأسف الأصل أن نطالب بتحريرها، ولكن ماذا نفعل إن كان الحاكم هنا، هو الجلاد المحتل".

إسراء التي تشتاق في كل لحظةٍ لابنها، تقيس مع كل زيارةٍ طوله. هكذا تعرف أن ابنها يكبر بعيدًا عنها، وهي حتى لن تتمكن من متابعة مراحل نموّه!

تأمل شقيقتها اليوم أن تُزال الغُمة، وأن تنجح حملة التضامن مع إسراء في توفير حقها بالعلاج.

الأسيرة المحررة شذى حسن، كانت واحدةً ممن رافقن إسراء مدة 6 أشهر داخل سجن "هشارون"، قبل تحررها عام 2020م، كتبت في صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك": "كنا مرة قاعدين بساحة الفورة، وإسراء كعادتها بتحكي أشياء وبتضحّك فينا.. بس فجأة سكتت واحنا كملنا أحاديثنا.. ".

حين انتبهت الأسيرات لإسراء سألنها عن حالها، فتنهّدت وحكت "آآآخ"، لتختصر وجعها قبل أن تشرح وهي تهز رأسها بحزن: "لا ولا اشي، بس كنت بفكر إني لما أروّح بكون معتصم ابني شب، وأنا نفسي أشوفه وهو بيكبر، وأحسس على وجهه وهو ناعم بدون شوارب ولا لحية، وأسمع صوته قبل ما يخشن.. إنتو متخيلين أطلع ألاقي شواربه ولحيته طالعين.. وأنا اللي تركته طفل"!

الناطقة باسم نادي الأسير أماني السراحنة، قالت لـ"نوى": "محامي ومحاميات نادي الأسير يزرون الأسيرات والأسرى كل أسبوعين، بالنسبة لإسراء وضعها ثابت على صعوبته، فهي بحاجة إلى عمليات جراحية، والاحتلال يدعي أنها تجميلية، والأصل أنها بحاجة لأن تكون بين أحضان عائلتها تتلقى الرعاية الصحية والنفسية منهم".

وتحكي السراحنة أن فصول معاناة إسراء بدأت منذ اعتقالها، من خلال سياسة المماطلة في تقديم العلاج التي تتبعها إدارة ما يسمى بـ "مصلحة السجون"، وقد نتج عنها تدهور في حالة إسراءنحو الأسوأ.

فالاحتلال-وفقًا للسراحنة- يستخدم الاحتياجات الطبية كواحدة من أدوات التنكيل بالأسرى، "مثلًا إسراء بحاجة إلى بدلة خاصة نتيجة حروقها، وهو ما لا يوفره الاحتلال، ناهيك عن احتياجها الدائم للماء الباردة، بسبب ارتفاع درجة حرارة جسمها، وهو الأمر المفقود داخل الزنازين كذلك".

"ظروف سجون الاحتلال مصممة –أصلًا- كي تبقي الأسيرات والأسرى في حالة من عدم الاستقرار. هي تسبب المرض لمن لا يعانون منه بسبب ما تحمله من رطوبة وضيق، فما بالنا ونحن نتحدث عن حالةٍ صحية معقدة كالتي تمر بها إسراء الجعابيص؟" تختم السراحنة.

مشغولات يدوية لإسراء وهي داخل السجن

صور لإسراء قبل وأثناء الاعتقال

اخبار ذات صلة