شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 20 اكتوبر 2021م16:53 بتوقيت القدس

"البركة" في بيت العريس

محمد أبو سمعان..عن حُبّ الجدّات لأحفادهن الشهداء.. "صدقاتٌ ودعاء"

06 سبتمبر 2021 - 13:31

غزة

تجاعيد العمر مرسومةٌ على وجهها كأنما إبرة خياطة مرت على المكان وحفرت فيه مع كل حدثٍ خطًا أو ربع دائرة. ترتدي "الداير" الأسود الذي تفتح أحد جيوبه بين فينةٍ وأخرى لتستخرج "محفظةً" مطرزةً بالأحمر، توحي لك من "خشخشتها" بثقل ما تحتويه من قطعٍ معدنية.

تجلسُ الحاجّة "أم جمال" أمام باب بيتها على امتداد الشارع الرملي بحي الشيخ عجلين، ومن حولها تتزاحم عبارات التهاني على الجدران: "أفراح آل أبو سمعان" وتبريكات بديباجات مختلفة، ألوانها لا تزال ناصعة، وكأن عرسًا قام من عهدٍ قريب.

في المكان، يصطف طابورٌ من الأطفال ينتظر كل واحدٍ منهم "نصيبه" من ما قد توزعه الحاجة "أم جمال" اليوم، فقد عقدت اتفاقًا مع صاحب البقالة المقابلة، على أن يزودها بـ"الفكة" أولًا بأول، كي يتسنى لها توزيعها عن روح حفيدها العريس "محمد أبو سمعان" الذي غادر الحياة مبكرًا دون سابق تهيئة.

"محمد" شهيد مايو، حبيب جدّته التي جاءت من أراضي الداخل المحتل خصيصًا لتحضُر عرسه، فحضرت له عرسين، مرةً مع عروسه "في الكوشة"، ومرةً أخرى شهيدًا مسجّى على أكتاف المكبِّرين تحت نيران "إسرائيل". هي ما زالت تحكي عنه كأنه حاضر أمامها، وتحدث كل طارقٍ عن "قطعةٍ من قلبها" و"فرحة" لم تكتمل.

تدخل مجلس الضيوف لترافق أمه في حزنها، "أم محمد"، تلك التي كشفت ابتسامتها عن غمازةٍ يتيمة في خدها الأيسر، وهي تجول ببصرها بين صور ابنها الأربعة.

تلتفت وتبدأ الحديث حتى قبل أن تسألها: "محمد جاءنا هدية من الله بعد انتظارٍ طويل، رغم ذلك لم يحظ بالدلال الذي يناله الصبية".

تشير بيدها إلى صوره المعلقة، وتبدأ بالشرح: في الصورة الكبيرة حيث ابتسامة محمد العريضة، عمره لا يتجاوز الثامنة عشرة، وعلى الحائط خلفي صورته في بداية العشرينيات، أما الصورة الأكبر فببدلته الكحليَّة الأنيقة وربطة عنقه القرمزية، عندما كان عريسًا قبل وقتٍ قصير".

تتحدث السيدة، لكل من زار بيتها عن عرسه، تشاركها الجدّة التي ربما لم تشبع من عناقه حتى! "كان مطيور طير" من السعادة بعروسه التي اختارها قلبه.

في العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، انشغل محمد بأداء ما كان يسميه "مهمةً وطنية"، إذ كان يساهم في نقل الجرحى والشهداء من أماكن الاستهداف، "في آخر يومٍ له بيننا عاد والحزن يكسو ملامحه على غير العادة، ولما سألته: مالك يا ستي؟ أجابني بنبرةٍ تقطّع لها قلبي: صلينا على 80 شهيد يا ستي!".

بصوتٍ يميل إلى النحيب، تقطع حديث الاثنتين زوجته "العروس" سها، لتقول: "في صبيحة اليوم السابع من العدوان، تمسكت بكتفه، وطلبت منه أن يبقى، كنت خائفةً جدًا لا أدري لماذا، في تلك المرة أصرّيت عليه كثيرًا لكن كان وكأنه لا يسمعني، ودّعته حينها ورجوت الله له السلامة".

خطب محمد سها، فور تحصله على وظيفة في الشرطة، رغم صغر سنه، "وكان من الغريب أنني لم أفكر حتى، هو ابن خالتي، وكنتُ أعرف جيدًا أنني سأكون على ذمته في أمان".

تصف الزوجة محبوبها الراحل وسط تنهيداتٍ كانت تخرج من أعماق القلب: "كانت خفة الظل ملازمة له في كل مجلس، لا حزن بوجوده ولا غم يظل على القلب".

تعود الجدّة إلى آخر ضحكة، فتقول: "يومها ناديته: وين رايح؟ جاوبني والضحكة مرسومة على وجهه رسم: "مشوار وراجع""، لتعانقه بعدها سها. هي لم تكن تتخيل أن يكون الأخير في هذه الدنيا.

تستذكر الجدة ذلك اليوم بحذر، وتحاول انتقاء كلماتها خشية أن توجع الصبيّة المكلومة. "شغلت سها نفسها بأعمال المطبخ ريثما يعود زوجها، ليقطع صفو تلك الساعة صوت انفجارٍ عنيف، انقبض قلبي، وتسللت الشكوك إلى قلب سها: ماذا لو كان محمد الشهيد القادم؟".

بدأ خبر استهداف سيارة في مدينة غزة ينتشر كالنار في الهشيم بعدما تداولته العديد من وكالات الأنباء، وهذا ما وصل أخته الصحفية سلسبيل التي تعمل بإحدى وكالات الأنباء، فنقلته دون أن تدري أن شقيقها كان الخبر.

لم يساورهم أي شك، "إلا بعد انقطاع أخباره ساعاتٍ طويلة، ثم بدأت الأخبار عن شهيدٍ مجهول الهوية تنتشر".

"غمة غطّت على قلبي" تقول الجدّة،  ذهب أخوه إلى المشفى مسرعًا عله يأتي بخبرٍ يثلج القلوب، لكن ما حدث كان عكس ذلك.

تضيف سها: "اتصل بي أكثر من مرة يسألني وصوته تخنقه الدموع: ماذا كان يلبس عندما خرج؟ ما لون قميصه؟ ما شكل حزام بنطاله؟ وغير ذلك من الأسئلة التي جعلت قلبي يغلي خوفًا".

تكمل: "في خاتمة كل سؤال كان شقيق محمد يصمت طويلًا، ثم يعود فيباغتها بسؤالٍ آخر، وهي تقول: "طمئن قلبي أرجوك".

ساعةٌ مرّت، عاد فيها "محمد" بالكفن، حتى العناق الأخير لم يكن من حق سها، أو حق جدّته التي لم ترده مذ كان طفلًا! لقد غابت ملامحه وتفتت جسده بصاروخ محتل يحقد حتى على الفرح.

تصف الجدة الموقف، فتقول: "الكل جاء يحتضنني ويبكي، بينما أنا غير مدركةٍ أبدًا لما يحدث! هل رحل محمد حقًا؟ لم أصدق إلا بعدما رأيت كفنه وبكيت".

حكاية عشق سها ومحمد "عظيمة" بعمر شهرين! عروسٌ بلا حبيبٍ تجلس لتعانق الذكريات وحسب. تقلّب بين يدي ذاكرتها الأحلام التي نسجاها سويًا، وبقايا زينة الفرح التي شهدت مراسم العزاء أيضًا.