شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 20 اكتوبر 2021م17:21 بتوقيت القدس

حكاية "عُزوة" صنعتها "حنين".. ذات حرب

04 سبتمبر 2021 - 22:11

غزة - شبكة نوى :

"11 يومًا عن 11 سنة" لا يمكن للتفاصيل التي حدثت خلالها أن تموت. قصصٌ ستطفو على سطح الذكريات ولو بعد حين، وجنودٌ "مجهولين" تخفّوا خلف "بطولاتٍ" حقّ للتاريخ أن يوثّقها، عندما منحوا إمكانية النجاة للهاربين من حمم الموت التي ترسلها إلى غزة "إسرائيل".

لدينا هنا حنين السمّاك، الناشطة المجتمعية التي تقطن مدينة تل الهوا غرب غزة، والتي نجحت بتكوين "عزوة" من الجيران وذوي الإعاقة والإخوة المسيحيين في منزلها، بشكل أذاب جميع الفوارق خلال فترة العدوان الأخير. كيف ذلك؟ التقرير يجيب:

داخل منزلها في الطابق الأرضي، متوسط المساحة، تجمّع طيلة فترة الحرب قرابة ست أسر، لم تتساءل قط:  كيف ستعيش معهم في هذا الوقت العصيب؟ بل على العكس، كانت هي "الداعي المرحب".

كان من البديهي في كل جولة تصعيد، أن تترك عائلات منازلها، وتنزح باتجاه مركز المدينة، ومن الطبيعي أكثر، أن تفتح عائلات أبواب منازلها لاستقبالهم، حتى وإن كانوا لا يعرفون بعضهم بعضًا.

الفرق في بيت حنين، أن عائلتها لم تستضف النازحين وحسب، بل خلقت لهم جوًّا من الأُلفة والمحبة، حُفر في ذاكرة صغيرهم قبل كبيرهم، "كنا نتحايل على التوتر والقلق والخوف بتقاسم الضحكة، وتبادل الحديث، كنا نأكل سويًا، ونستمع إلى قصص بعضنا البعض، لم يكن يقطع صفو جلساتنا سوى أصوات الانفجارات ووحشية الغارات" تقول لـ "نوى".

ربما أصرت حنين من خلال هذه الأجواء، على رسم صورةٍ أخرى غير تلك "السوداوية" للحرب، كانت تحاول إقناع الجميع بأن هناك جانب مليء من الكأس، "فكانت فرصة جيدة لجميع الجيران والأصدقاء، من أجل إضفاء أجواء من التكاتف المجتمعي والعائلي، الذي ربما غاب عن بعض العائلات بسبب انشغالات الحياة، وظروفها الصعبة في القطاع" تضيف.
وتكمل: "لم أفكر أبدًا في مغادرة منزلي خلال الحرب فاستضافة الجيران والأقارب النازحين ليس خيارًا، بل هو واجب وطني وإنساني ومجتمعي أيضًا"، متابعة: "عندما تشعر أنك تمتلك ملاذًا آمنًا للناس في الحرب، فأنت مسؤول عن توفيره لهم، ولا تفعل ذلك تفضّلًا ولا منة (..) لقد رفضت الخروج من منزلي رغم علمي بإمكانية استهداف أحد المنازل المجاورة للبناية التي أسكن فيها، لأنني أعلم أن باقي الجيران وعائلاتهم لا يوجد لهم ملاذ غير منزلي للاحتماء به، فأين سيذهبون إذا خرجت من منزلي وأغلقته في وجوههم؟".
وتستذكر حنين أثناء حديثها لـ "نوى"، حرب عام 2008م، عندما تكرر المشهد ذاته بشكل أوسع، حيث تجمع 37 شخصًا في مطبخ البيت وحده هربًا من القصف، غير الرجال الذين بقوا في الخارج للاحتماء من القصف المرعب، الذي طال منطقتهم آنذاك.
بعض العائلات التي استضافتها حنين في منزلها، كانت "مسيحية الديانة"، لكنها لم تشعر بأي فرق حين جمعهم تحت سقف البيت الدعاء والتضرع كي يصرف الله عنهم شر الصواريخ المنهمرة.

تردف: "كانت بعض النساء المسيحيات، تستعين بالعباءة السوداء عند خروجها من المنزل. لقد تعاونا في صناعة الكعك وبعض الحلويات، وتعرفنا على عادات وتقاليد المسيحيين في المناسبات، كما عرفناهم على تقاليدنا أيضًا"، حتى أنها في عيد الأضحى بعد الحرب، أرسلت لهم حصةً من الأضحية، فيما أرسلوا هم لها هديةً بدورهم ذات مرة "زينة عيد الميلاد".
وكان لحنين قصة مع من أتى بيتها مستغيثًا من ذوي الإعاقة، حين خلقت لهم أجواءً من الدعم، وساعدت في تدريبهم على تقديم الإسعافات الأولية، والخروج من المنزل في حالة ازدادت حدة الخطر، واضطروا جميعهم للفرار من المنطقة التي أصبحت في مرحلةٍ من المراحل خطرةً جدًا.
توضح الناشطة المجتمعية، أنها اعتمدت خلال الحرب على خطة "حشد الموارد خلال الكوارث" التي تعلمتها أثناء عملها المجتمعي، فاستفادت منها أيام العدوان الإسرائيلي على القطاع، وتشمل: تلبية بعض الاحتياجات من حيث الأكل، والعلاج، والأغطية، كذلك توظيف مهارة تبادل الخبرات بين النازحين في منزلها، فعملت على إنشاء مجموعة افتراضية جمعت نساء الجيران، لإعداد خطة تبادل الاحتياجات خلال الحرب.

تتحدث حنين عن بعض المواقف التي أدخلت إلى قلبها الفرحة خلال الحرب، بينما كانت متعبة والجميع قد أنهكتم مشاهد الدمار والدماء في كل مكان بغزة. "حين دخل عليها ضيوفها بكعكة ملونة، فأشعلت شمعات عيد ميلادي تحت أصوات الانفجارات، وتمنينا بصوتٍ خافت أيامًا قادمةً أجمل، تمر بسلامٍ وأمان".
أرادت حنين أن تثبت خلال الحرب أن "الدنيا لسّا بخير"، فتعالت على مشاهد الدمار لتخلق مشاهدًا ناصعة من التكافل والمحبة والصمود والثبات.

كانت حنين تخرج نهارًا مع عائلتها لتوثيق آثار القصف والدمار في الأحياء الغزية، لتأسيس "داتا" عنها كما تقول، بالتزامن مع ذلك كانت ابنتها حلا تسعى إلى توثيق انتهاكات الاحتلال في القدس والمدن الفلسطينية المحتلة الأخرى عبر مواقع التواصل الاجتماعي.