شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 25 اكتوبر 2021م22:41 بتوقيت القدس

معبر رفح.. حكاية غصّة في حلق "الفرح"

28 اعسطس 2021 - 16:53

شبكة نوى | غزة:

صبيحة الخميس الأخير أرخت بكآبتها على قلب "ميسرة" (أم وليد). فتحت عينيها ترمق بحنقٍ الساعة، "لماذا تعرف الوقت وقد أُلغي سفرها بسبب إغلاق معبر رفح؛ لا تعرفُ إلى متى؟ ولا حتى لماذا؟".

كان كل همّها وليد وإخوته الأربعة، أولئك الذين جاءوا إلى غزة بنيّة "الفرح" ليتعرفوا إلى أخوالهم وجدّهم الذين لم يعرفوهم إلا عبر "سكايب"، و"بوتم"، و"واتساب" كصورةٍ تتحرك وتلقي بأشواقها إليهم "إلكترونيًا" فقط.

كان كل همّها مدارس الأولاد، كانت تخشى أن تبدأ الدراسة، وباب غزة إلى الحياة مغلق! لكنها تنفّست الصعداء بعد دقائق فقط، عندما صدر إعلانٌ من "داخلية غزة" يؤكد عودة فتح المعبر باتجاهٍ واحد (أي نحو سجن غزة) الخميس، على أن يعود للعمل الطبيعي (في الاتجاهين) الأحد.

وفي التفاصيل: قالت وزارة الداخلية والأمن الوطني بغزة، مساء الثاني والعشرين من آب/ أغسطس الماضي، أن مصر أبلغتها بقرار إغلاق المعبر في الاتجاهين، دون مزيد من التفاصيل. وهو الأمر الذي أثار قلقًا واستياءً واسعًا في صفوف أكثر من مليوني إنسان، يملك معظمهم أحلامًا وطموحات قد تتهاوى على عتبة هذه البوابة.

في غزّة، لا تعني الحرب سيل الدماء وآلاف الأرقام من الشّهداء والجرحى، ولا أصوات القذائف والغارات والطائرات واهتزازات الصواريخ، ولا أيضًا الرعب والأمراض النفسية التي تخلّفها، ولا الفقر وانقطاع الماء والكهرباء.. الحرب هنا هي "أن تحرم من أن تعيش حياتك "بشكل طبيعي" لا أكثر.

هنا تنخر أجساد المسجونين بغزة قرارات سياسية مفاجئة! اليوم فُتح المعبر وغدًا يُقفل. "مشتاقة كتير لريحة وحضن أمي بس ما بقدر آجي. شو أعمل لو سكروا المعبر فجأة أو صار تصعيد؟" تقول يمنى العشي المغتربة في الإمارات العربية المتحدة.

"كما "العقدة" في حبل الحلم، "الحفرة" في طريق الطموح، "الغصة" في قلب الفرح، "الضعف" في عز القوة، والباب الذي تبدأ بعده حكاياتٌ عن عالمٍ مختلف، وعن حرية لا يعرف عنها الغزيون سوى اسمها" تكمل يُمنى في وصف معبر رفح، قبل أن تودع "نوى" بدمعة وأمنياتٍ كثيرة بفرجٍ  قريب وحرية "لأهل البلد الغلابا".

ووصلت الشابة إسراء عزام قطاع غزة قبل نحو شهر للمرة الأولى منذ 10 سنوات، كي تزيارة أهلها.

تقول: ما شجعني هو ظني بأن أمور المعبر صارت أسلس من قبل، لكن إغلاقه قبل موعد سفري بوقتٍ قصير، وبهذا الشكل المفاجئ هددني بخسارة عملي في  مكان إقامتي بالسويد "لولا لطف الله".

وتضيف: "هناك لا يعرفون ماذا يعني أن تكون فلسطينيًا من غزة؟ لا يدركون الأثر النفسي لما يعيشه الناس ولا تبعات الإغلاق الكارثية على المرضى وأصحاب الإقامات!".

بعد خبر الإغلاق، لم تنفك الشابة –تحدّث "نوى"- عن التحديق بشاشة الهاتف بشكل مستمر، انضمت لكل المجموعات التي تتعلق بمعبر رفح، ومع كل رنة كانت تسارع لتجرع "صدمة" جديدة –كما تصف، "فهنا ليس علينا سوى توقع الأسوأ" تعقب.

وتكمل: "حرب نفسية وجسدية تنهك قوانا أما تحمل هذا الأسى، سواء كنا في الخارج أو محبوسين هنا بين عائلاتنا".

في المقابل، طالب الشاب أكرم عليان السلطات المصرية بضرورة إبعاد معبر رفح عن أي مناكفات سياسية قد تجري، ولا دخل لـ "المساكين" بها حسب تعبيره.

أكرم هو مرافق لشقيقه المريض، وقد سافر قبل مدة إلى خارج القطاع لتلقي العلاج، ويفترض بهما العودة اليوم الثلاثاء، بينما هما لا يحملان سوى مبلغًا بسيطًا من المال، بالكاد يسد احتياجهما خلال رحلة العودة. "غير ذلك شقيقي بوضع نفسي لا يسمح بأي خبر سيء" يضيف.

ويتابع بابتسامة رضا: "لولا أن الداخلية أعلنت فتح المعبر الأحد، لكنا الآن في مأزق، من أين كنا سننفق؟ وكم كنا سننتظر؟ وكيف كان شقيقي سيحتمل؟ (..) لا أتخيل أن يحدث مكروه لشقيقي بينما نحن بعيدان، ستموت أمي لو حدث ذلك".

قصةٌ أخرى بطلتها هيام قاسم. هذه الشابة الجميلة قالت إنها كانت ستعتصم قرب المعرب وترفع لافتة: "لو سمحتم افتحوا المعبر.. سأزف عروسًا".

اسمها كان مدرجًا للسفر الخميس القادم، كي تزف عروسًا لحبيبها أحمد في تركيا.

هيام التي تعرفت على خطيبها في عالمٍ افتراضي قبل خمس سنوات، تقول: "أحببته افتراضيًا، وكتبنا كتابنا افتراضيًا، منذ خمس سنوات لم يستطع الوصول إلى غزة خوفًا من منعه من السفر مجددًا"، ومنذ عامٍ ونصف تحاول بدورها السفر، لكن قبل إدراج اسمها أُغلق المعبر.

هي الأخرى تحمد الله كون الأمر سينتهي بسلام. "ما أرعبني أن مصر لم تبدِ أي أسباب لإغلاقه، حتى أننا لم نستطع التنبأ بالمدة التي يمكن أن يُغلق فيها" تقول، وتكمل ضاحكةً: "أمي مازحتني: إنتي نحسة، وأنا وقتها قلت: لولا الحياء لخرجتُ أمام بوابة المعبر حقًا لأطالب بفتحه كي أتمم أمور زواجي".

وزادت: بقيت يومين أتأمل ملامح أحمد في صورةٍ بهاتفي، وأبكي، فكرتُ كثيرًا بأننا لن نلتقي هذه المرة أيضًا، واستسلمتُ لفكرة أنني "ابنة غزة، المحاصرة، المدكوكة بصواريخ إسرائيل.. تلك التي لا يكتمل لها فرح قبل أن تدفع ثمنًا له دمعًا وألمًا وبكاء".

"حبيب افتراضي، وصورة وصوت عبر الهاتف، كلها أمور توحي بأنه إنسان وأنني إنسانة، لكن الأمر غير المنطقي، والذي يعبر عن الواقع يا للأسف، أن تفصل بيننا حدود عصيّة، ليس لشيء سوى لأن هويتنا تفرض ذلك علينا" تكمل، تتنهد وتختم بأسى: "حرفيًا كلما فكرتُ بالأمر، أذكر كلمات فيروز: "لا قدرانة فل ولا قدرانة أبقى" هذه قصتنا بغزة".