شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 20 اكتوبر 2021م16:39 بتوقيت القدس

أنهار الديك ورسالة خوف ووجع..

على شفا "مخاض" كتبت أسيرة: "يا ويل قلبي عليه"

26 اعسطس 2021 - 19:43

الضفة الغربية | نوى:

ليس مشهدًا دراميًا! أمٌ في رحمها "حياة" داخل زنزانةٍ رطبة معتمة. ذكريات الأسيرات تملأ الجدران، وأصوات السجانين المخيفة تتسلل عبر النوافذ المسيّجة، لتزيد على رعبٍ تنتظره الأم رعبًا آخر: "كيف سأحميه من أصواتهم المخيفة؟".

يمكن أن تتخيلها عزيزي القارئ، في زاويةٍ ضيقة، تكتب على ورقةٍ بيضاء ما لا يمكن أن تكفيه السطور. امرأةٌ عشرينية على شفا ولادة، ترسم وجعها على ورقةٍ بيضاء وتحدث نفسها: "مش عارفة كيف بدي أولد وأنا مكلبشة؟".

هو مشهدٌ من واقعٍ يعيشه الفلسطينيون والفلسطينيات هنا كل لحظة، عندما تحاول "إسرائيل" بجبروتها وظلمها، وأد انتظار "الفرح" حتى.

"كيف سأخطو أولى خطواتي بعد القيصرية، بينما تمسك السجّانة يدي باشمئزاز؟، كيف سأقضي أيام العزل ومولودي وحدنا؟ تعرفون ما معنى الولادة القيصرية، فما بالكم وأنا هنا في السجن، ووحدي؟!" هذا غيضٌ من فيض أسئلة، خرقت قلب أم الأسيرة أنهار الديك (26 عامًا)، كتبتها ابنتها في رسالةٍ وأوصلتها لعائلتها عبر الأسيرة صفا جرادات، التي أُفرج عنها قبل يومين.

في آذار/ مارس من العام الجاري، اعتقل الاحتلال أنهار وهي حامل بشهرها الثالث، بعد أن اعتدى عليها مستوطنون بالضرب المبرح. حتى اللحظة لم يصدر بحقها حكم، وقد دخلت في شهرها التاسع.

كان من ضمن ما كتبته أنهار في رسالتها: "اشتقت لجوليا (طفلتها الصغيرة الوحيدة) بصورة مش طبيعية، قلبي واجعني عليها، ونفسي أحضنها وأضمها لقلبي".

تخالها تتحسس بطنها وهي تقول: "يا ويل قلبي عليه.. كيف بدي أحميه منهم؟". تكتشف فجأة أن أنهار تكابد ما لا يستطيع أحد احتماله.. عباراتٌ مدوية، ودمعٌ ينزف من بين الحروف "أنا الوجع اللي في قلبي لا يمكن أن يكتب في سطور".

كطفلةٍ تشكو، بينما أمها تمسّد شعرها: "أنا كثير تعبانة، صابتني آلام حادة في الحوض، ووجع قوي في إجري (رجلي) نتيجة النوم على "البرش"". هنا تسمع صوت تنهيدةٍ قبل أن تكمل القراءة: "مش عارفة كيف بدي أنام عليه بعد العملية؟ مش عارفة كيف راح أقدر أدير بالي عليه ونحنا لحالنا في العزل؟ قد ما كانت أمه قوية، راح تضعف قدام اللي بعملوه  فيها، وفي باقي الأسيرات (..) خطية هالولد في رقبة كل واحد مسؤول وقادر يساعد، وما بساعده".

وأصدرت هيئة الأسرى والمحررين، بيانًا أمس، قالت فيه: "إن الأسيرات الأمهات يعانين من تعذيب جسدي ونفسي في سجون الاحتلال الإسرائيلي، بسبب حرمانهن من رؤية أبنائهن سوى لدقائق معدودة، وبعضهن تعدين سنوات لم يرين فيها أبنائهن".

ونبّهت الهيئة إلى سياسة الإهمال الطبي التي تمارس بحق الأسيرات الفلسطينيات، مضيفة: "الأسيرة أنهار الديك من قرية كفر نعمة برام الله، تعاني من اكتئاب حمل، وبحاجة الى اهتمام ورعاية طبية خاصة، كونها دخلت في شهرها التاسع".

أمها "عائشة" التي تأكل غصّتها ملامح وجهها، تحدثت لإحدى الكاميرات فقالت: "لم أزرها، ولا أعرف عنها شيئًا إلا من خلال الأسيرات اللواتي يفرج عنهن (..) إذا أردتُ أن أخبرها شيئًا ألجأ إلى إذاعة صوت الأسرى، وأقول كل ما في خاطري".

أنهار سوف تستيقظ بعد انتهاء تأثير المخدّر، فلا تجد أحدًا قربها سوى طفلها الذي لا حول له ولا قوة، تعلق أمها أمام الشاشة: "نحن متعبون لتعبها، أتخيل خوفها وهي على سرير العمليات، تغمض عينيها على صورة مجنّدات".

وعن المرّة الوحيدة التي تمكنت فيها من رؤية ابنتها لبضع دقائق، تصف: "والله متت. مرة وحدة بس شفتها وما قدرت أسمع صوتها، أسبوع وأنا أفكر بهذه الدقائق، لا يغيب وجهها في تلك اللحظة عن عقلي".

تضيف: "زوجها الذي استطاع زيارتها مرة واحدة فقط، دمع ثمن ذلك إيقاف تصريح عمله، ناهيك عن منعي وشقيقتها من الزيارة، لتبقى هي هناك وحيدة إلا من زميلاتها الأسيرات".

الأمر الاستثنائي بحمل أنهار وولادتها في السجن، هو فرحة الأسيرات الفلسطينيات اللاتي سيرين طفلًا للمرة الأولى منذ ثماني سنوات على اعتقال أقدمهن. يفكرن كيف بإمكانهن الاعتناء به وبأمه؟ كيف سيحملنه؟ وكيف سيجول جدران السجن الأربعة دون أن يرى الشمس إلا لبضع دقائق يوميًا.. ربما.