شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 18 سبتمبر 2021م19:38 بتوقيت القدس

معاناة أصحابها بعمر "الانقسام"..

ملف "تفريغات 2005" على طاولة "الهيئة المستقلة"

25 اعسطس 2021 - 09:32

غزة:

500 شيكلًا فقط، هي كل ما يتبقى من راتب الموظف توفيق الجليس كل شهر. هذا المبلغ الضئيل "ورغم أنف الواقع" عليه أن يكفي نفقات عائلة مكونة من سبعة أفراد وأمهم، عوضًا عن إيجار البيت!

يعمل الجليس موظفًا على بند ما يُعرف بـ"تفريغات 2005"، الذين يبلغ عددهم في قطاع غزة 8000 موظفًا، ويتلقّون رواتب تتراوح بين 750 و1500 شيكلًا –وهو مبلغ دون الحد الأدنى للأجور- بل ويتبعه خصومات، تجعله بالكاد يكفي خبز العائلة الحاف.

يقول الجليس :"كنت أعمل ضابط إسعاف، وأنهيت كل معاملاتي القانونية لاعتمادي كموظف وفقًا لشهاداتي، وها أنا اليوم كما ترون (..) حتى البحث عن فرصة عمل إضافية، هي فكرة شبه معدومة، إذ تمنع الوظيفة الحكومية المزاوجة بين عملين".

يسكن الجليس وعائلته في قبو عمارة سكنية مستأجرة بمنطقة تل الهوا جنوب غرب مدينة غزة، ويتكبّد تكاليف إيجار عالية، ناهيك عن حرمانه من التأمين الصحي الذي يكلفه نفقات إضافية "كلما تعرّض أحد أفراد العائلة لطارئ صحي".

الحال مشابه بالنسبة للموظف رامي كلّاب، من مدينة رفح جنوب قطاع غزة، فهو حاصلٌ على أربع دورات عسكرية، وشهادة جامعية، لكن لا يستطيع العمل في أي مهنةٍ أخرى.

يقول لـ"نوى": "ملف موظفي 2005 عالقٌ حتى الآن بسبب استهتار المسؤولين به، سنوات ونحن نعاني دون أن يلتفت إلينا أحد"، ويكمل بانفعال: "رأينا بأعيننا كتابًا موقّعًا باسم الرئيس محمود عباس بخصوصنا، لكن للأسف لا شيء تطور في القضية".

وينعكس ضيق الوضع الاقتصادي، و"عدم التثبيت"، على الحال النفسية لموظفي تفريغات 2005 بشكل كبير، خاصة بالنسبة لمن لديهم التزامات إضافية "مثل وجود أبناء في الجامعات، أو إيجار بيوت، أو نفقات علاج، كونهم يحرمون حتى من حقهم في التأمين الصحي" يقول.

في السياق، قضية تفريغات 2005، وضعت على طاولة الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، أمس، ضمن لقاءٍ مفتوح عقدته بعنوان: "تفريغات 2005، وحقوق الإنسان"، حضره عدد من متضرري هذا الملف، وساسة، ومتابعين للقضية.

رامي أبو كرش، الناطق باسم ملف تفريغات 2005، تحدّث خلال اللقاء، حول أن موظفي هذا الملف الذي دخل عامه 16 دون حلّ؛ جميعهم أنهوا كافة الإجراءات القانونية اللازمة للانضمام إلى الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وبعضهم تلقى دورات مكثّفة خارج الوطن، وأنفقت عليهم السلطة الفلسطينية مبالغ طائلة.

ويعدّ غالبية موظفي ملف 2005م، من مناضلي انتفاضة الأقصى عام 2000، الذين أصدر الرئيس محمود عباس قرارًا بإدماجهم في الأجهزة الأمنية بتاريخ 29/4/2004، وظلّوا جنودًا تحت الاختبار مدة 6 شهور، واجتازوا المسح الطبي والأمني، وخضعوا لدورات عسكرية داخل وخارج الوطن، بعضهم تميّز فيها ونال شهادات متقدمة.

في تاريخ 1/7/2006م، صدرت النشرة العسكرية بتوظيف أول دفعة منهم وهم 2400 عسكريًا. ثم جاءت أحداث الانقسام في منتصف الشهر ذاته، ليُحرم 8000 عنصرًا آخرين من رواتبهم، وهنا ظهر مصطلح "ملف تفريغات 2005" لأول مرة.

تشكلت في ذلك الحين لجنة مطلبية للدفاع عن حقوقهم، واعتمدت الحكومة الفلسطينية أسماء 151 منهم استشهدوا أثناء أحداث الانقسام.

عودةٌ إلى أبو كرش، الذي أضاف: "إن ما حدث مع موظفي قطاع غزة، لم يحدث مع زملائهم في الضفة الغربية، أولئك الذين توظّفوا على ذات الملف، بالتالي نرى أن الحكومة تمارس سياسة التمييز العنصري ضد موظفي القطاع"، مبينًا أن لجانًا متعاقبة تشكلت على مدار سنوات، وآخرها قبل أربعة أشهر، إبان الحديث عن الانتخابات، "وكأنه يجري ابتزاز الموظفين، والتعامل معهم كسلة أصوات انتخابية، دون اكتراثٍ بظروفهم الإنسانية، إذ تسبب تسلمهم لنصف الراتب قبل ثلاث سنوات بوفاة 13 منهم بنوبات قلبية.

ويُحرم موظفو هذا الملف من التأمين الصحي، والعلاج المجاني، ما يجعل حياتهم أصعب، خاصةً بالنسبة لمن لديه أبناء في الجامعة.

ولأجل كل ما سبق، حمّل أبو كرش الرئيس محمود عباس –شخصيًا- مسؤولية متابعة هذا الملف، وحلّه.

خضر حبيب ممثل لجنة القوى الوطنية والإسلامية، قال بدوره: "إن هذا الملف، ورغم الدعوات المتكررة بحلّه، إلا أنه لم يُحل، ورغم عودته بقوة إلى الساحة إبان الحديث عن الانتخابات الفلسطينية قبل عدة شهور، إلا أن الحديث حوله فجأةً تبخر!"، ويكمل: "وكأنه حديث متعلق بالدعاية الانتخابية فقط".

ونوه حبيب إلى أن كل قوى الشعب الفلسطيني، يجب أن تقف ضد أي سياسات تستهدف الإنسان الفلسطيني "رصيد القضية الوطنية"، مرجعًا كافة المعاناة التي يعيشها أبناء الشعب الفلسطيني في غزة وغيرها إلى الانقسام.

بدوره أشار بهجت الحلو منسق التوعية والتدريب في الهيئة، إلى أن موظفي تفريغات 2005، ينطبق عليهم تعريف "الموظف العسكري"، المنصوص عليه في  المادة  (1) من قانون الخدمة في قوى الأمن الفلسطيني، التي وصفت العسكري بأنه " كل ضابط، أو ضابط صف، أو فرد، في أية قوة من قوى الأمن".

ضباط تفريغات 2005م، قاموا بكافة إجراءات التعيين وفقًا للقانون، ومروا بإجراءات الفحص الطبي، وكشف الهيئة.

وقد خضعوا لدورات عسكرية، وتلقوا أول راتب لهم كجنود بتاريخ 1/5/2005، وتم توزيعهم على الأجهزة الأمنية، وكلفوا بمهام وظيفية، وسلموا مؤهلاتهم العلمية، وأضافوا الزوجة والأبناء إلى قسيمة الراتب، "وقد اعتمدت السلطة 151 منهم كموظفين رسميين بعد استشهادهم في أحداث الاقتتال الداخلي".

وتحدث الحلو عن أنماط الإجراءات التمييزية تجاه موظفي القطاع الأمني المفرغين عام 2005، "فهم يحرمون من التأمين الصحي، والعلاوات الاجتماعية، بسبب تحويل ملفهم إلى وزارة التنمية الاجتماعية"، مبينًا أن الوضع الاقتصادي السيء، تسبب بطرد من يسكنون بالإيجار من بيوتهم.

وأوصى بإدراجهم في الموازنة العامة لعام 2022 والاعتراف الفوري بالصفة الوظيفية لهم، ووقف إدراجهم على بنود الشؤون الاجتماعية، وإعادة هيكلة هؤلاء الموظفين ضمن موازنة وزارة الداخلية والأمن الوطني الفلسطينية، ومنحهم كافة الحقوق المالية الواردة في قانون الخدمة المدنية في قوى الأمن، ابتداءً من تاريخ تعيينهم، وبأثر رجعي.

من جانبه، نبّه لؤي معمر مسؤول الهيئة التنسيقية لشبكة المنظمات الأهلية عن موظفي 2005م، أن عددًا لا بأس به من الشخصيات المهمة، زارت قطاع غزة، ووعدت بالحل دون جدوى، معقبًا بالقول: "هذا هو القاسي في الأمر كله، وعود لا تطبيق لها، ومعاناة لا يشعر بها أحد غيرهم".

ولا يستطيع أي موظف من "موظفي تفريغات 2005"، التقدّم لأي منحة، أو مساعدة، أو حتى فرصة عمل إضافية، كونهم مسجلين كموظفين، ولا يحصلون على تأمين صحي، بينما يتم تنفيذ كافة الخصومات عليهم أسوةً بباقي الموظفين.

يردف معمر: "ووفقًا لمسح اجتماعي، فغالبيتهم الآن حصلوا على شهادات جامعية خلال السنوات الماضية، ومن السهل توظيفهم في إطار الوظيفة العامة، لمن يريد حلولًا عملية".

أجمع الحضور في نهاية اللقاء، على أنه بوسع الموظفين توجيه رسالة موحّدة للقيادة الفلسطينية، توقّع عليها كل مؤسسات حقوق الإنسان، ومؤسسات المجتمع المدني، والفصائل الفلسطينية، يطالبون فيها بحل ملفهم، الذي أكل من أعمار الناس وأرواحهم، "دون استبعاد آلية اللجوء إلى القضاء المحلي والدولي".

كاريكاتـــــير