شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 06 اكتوبر 2022م08:11 بتوقيت القدس

بعوض الصيف "استوحَشَ".. المواطنون يشتكون والبلديات تبرّر

15 اعسطس 2021 - 09:38

جباليا :

تنظر المواطنة هناء قرموط من بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة؛ إلى جسد ابنها فادي (12 عامًا)، فترى قرصات البعوض وقد تركت عليه ندبات عميقة. يساورها القلق بأن يصبح مصيره كمصيرها قبل ثلاث سنوات، حين أصابتها قرصات البعوض بحساسيةٍ جلدية نادرة، جعلتها في مراجعةٍ طويلةٍ مع الأطباء.

ويشكّل البعوض أزمةً لسكّان المناطق القريبة من أحواض الصرف الصحي في محافظات شمال قطاع غزة؛ لاسيما مع دخول الصيف، وارتفاع درجات الحرارة، حيث تكون ذروة المعاناة بين شهري مايو وأغسطس، وقد أضحت الأجساد التي ينهشها البعوض في كل دقيقة حديث العامة.

ورغم جهود البلديات للحدّ من الظاهرة ونجاحها على مدار سنوات، إلا أن تراجع عملية المكافحة هذا العام بدا واضحًا، إذ عُزي إلى قلة الإمكانيات الناجمة عن تراجع الدعم المعتاد لبرنامج مكافحة البعوض السنوي.

وقد وصلت الأمور إلى حد استخدام البلديات للسولار المحروق بحذر شديد، لما له من تأثير على الصحة العامة والمواطنين.

"نوى" تفتح في السطور التالية، ملف مكافحة البعوض هذا العام، وتقف على معاناة السكان من انتشار الحشرة بشكل غير مسبوق في مناطق عدة.

وبالعودة إلى قرموط، تصف الأم لخمسة أطفال، مشكلة البعوض هذا العام بأنها الأشرس على الإطلاق.

وتُرجع ذلك إلى تقاعس الجهات الرسمية عن تنفيذ حملات المكافحة بتنظيف الأعشاب والبوص والأشجار التي تنمو في أحواض الصرف الصحي المحيطة بمساكن المواطنين.

وتغلق قرموط نوافذ بيتها على الدوام وترخي الستائر، إضافة إلى تطهير وتعقيم البيت ومنابع المياه، لكن دون جدوى، حيث يجد البعوض سبيلًا لاقتحام المنزل، ومهاجمة السكان ليلًا ونهارًا، فيما يزيد انقطاع الكهرباء من المعاناة في ظل الحر والرطوبة الشديدين.

ويعدُّ البعوض هاجسًا لسكان المناطق القريبة من أحواض الصرف الصحي في المحافظات الشمالية (بيت لاهيا، جباليا، بيت حانون، والقرية البدوية المعروفة باسم "أم النصر")، خاصة صيفًا، حيث تتحول هذه المناطق إلى بؤر أمراض تتسلل منها الروائح الكريهة وأسراب البعوض.

وبدا المواطن أشرف الأغا (40 عامًا) ناقمًا على البلدية، وهو يكشف عن لدغات البعوض التي تشبه الحروق على أجساد أطفاله، فبعد أن "كافحت الحشرة" في الأحواض والمناطق المحيطة باستخدام جهاز الضباب، تضاعفت معاناته وجيرانه من الحشرة، حيث أن عملية رش البؤر دفعت بالبعوض الناجي إلى الانتشار بين المنازل، كما يعتقد.

مدير دائرة الصحة والبيئة في بلدية بيت لاهيا، ورئيس لجنة مكافحة البعوض في الشمال، عاطف السلطان، لم يُنكر الحالة الصعبة التي يُعاني منها السكان نتيجة انتشار البعوض بشكلٍ كثيف هذا الصيف.

ويقول: "البلدية عملت منذ مطلع شباط/ فبراير الماضي على مكافحة الحشرة، حيث وفرت عمالًا لتنظيف أحواض الصرف الصحي من الأعشاب والبوص ورش المبيدات، وكذلك الطواف على البيوت، والأراضي الزراعية التي تحتوي على برك المياه الراكدة".

ووفقًا للسلطان، فهذه الإجراءات اصطدمت بعقبة التمويل اللازم لتنفيذها بشكل دوري وسريع، فسعر اللتر الواحد من المبيد اللازم لمكافحة البعوض BTI بـ 22 دولار.

وتابع: "بعض الجهات الدولية التي كانت توفّر منحًا مالية للحصول على المبيد توقّفت، وترافق ذلك مع تواضع إمكانيات البلديات، وضعف القدرات اللوجستية، كتوفير الحفّارات التي تساعد على إزالة الأعشاب وتنظيف الأحواض".

ويؤكد السلطان أن مكافحة انتشار البعوض يتطلب تكاتف الجهود بين المواطن والمؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني، "فبعض المواطنين يساهمون في انتشاره، عبر ترك بِرك المياه دون تجفيف، أو عدم إغلاق خزانات المياه في الأراضي الزراعية"، منبهًا إلى تعطّل عمل البلديات خلال فترة العدوان الإسرائيلي الأخير، الذي أتاح فرصة انتشار البعوض بشكل أكبر.

عودة للطرق التقليدية

وإذ يعاني سكان دير البلح من مشكلة البعوض أيضًا، يبرر مفتش الصحة والبيئة في بلدية دير البلح حسين نصار، تأخر الجهات المسؤولة عن مكافحة البعوض، بعدم توفير التمويل اللازم لشراء مبيد BTI، إلى جانب عدم إلمام البلديات بجميع بؤر المياه التي يتجمع حولها البعوض.

ويوضح نصار لـ"نوى"، أن إحدى المؤسسات كانت توفر تمويلًا كاملًا لعمليات المكافحة لكنها توقفت منذ ثلاث سنوات، الأمر الذي أضعف إمكانيات المكافحة لدى البلدية.

وذكر أن بعض البلديات تضطر إلى اتباع أساليب المكافحة القديمة بسكب (السولار المحروق) على الماء لقتل يرقة البعوض قبل أن تتطور، لافتًا إلى خطورة ذلك على برك المياه الزراعية، وكذلك البرك السمكية، حيث تنهي نمو الأسماك فيها.

ضعف التمويل

وعن دور وزارة الحكم المحلي، يوضح رئيس اللجنة العليا لمكافحة البعوض محمد شلبي، أن اللجنة تُعنى بإيجاد تمويل للمشاريع الحيوية الموزعة في المناطق الإقليمية، لكن الأزمة المالية تعدّت البلديات إلى الوزارات، ووصلت إلى وكالة الغوث التي كانت تدعم مكافحة البعوض بتوفير السولار، وتوفير رواتب نحو 70-90 شخصًا بين عمال ومراقبين.

ويشدد شلبي على عدم حصول اللجنة على أي تمويل خارجي أو حكومي خلال عامي 2019 و2020، "لذلك اضطررنا إلى الاستفادة مما توفر سابقًا، والعمل بالطرق التقليدية، مستخدمين السولار المحروق، خاصةً في الأماكن التي ينعدم فيها التأثير على الصحة العامة والمواطنين".

وخلال هذا العام –حسب شلبي– عملت اللجنة على معالجة برك المياه بدفنها، وتجفيف بؤر تكاثر البعوض، بالإضافة إلى استخدام مدفع الضباب، "غير أن آثاره الجانبية على صحة المواطنين يجعلنا نحصر استخدامه في المناطق غير المأهولة بالسكان" يزيد.

ويلفت شلبي إلى أن جهود المكافحة تبقى منقوصة ما لم تتكامل مع وعي المواطن بسد بؤر تكاثر البعوض، كالخزانات الأرضية في المزارع، وكذلك تجفيف منابع قنوات الصرف الصحي، في المنازل الريفية، أولًا بأول.

مبررات مرفوضة

من جانبه ينتقد الناشط في مؤسسات المجتمع المدني حامد الرضيع، المبررات التي تسوقها الجهات المعنيّة، كنقص التمويل، وضعف إمكانيات البلديات.

ويقول: "التقصير يكمن في عدم إزالة الأشجار والأعشاب والبوص، من أحواض الصرف الصحي، وكذلك التأخر حتى نهاية شهر نيسان/ إبريل لرش البرك الراكدة، وآبار الصرف الصحي، الخاصة بالمواطنين"، ملفتًا إلى أن مئات البيوت، لا تصلها شبكات الصرف الصحي، وتعتمد على الحفر الامتصاصية.

ويشدد على أن المبررات وإن بدت حقيقية، "إلا أنها لا تعفي المؤسسة الرسمية من العمل الجاد على تحسين الواقع البيئي والصحي للسكان، في ظل الأجواء الحارة وانقطاع التيار الكهربائي، والحالة الاقتصادية التي تُعجزهم عن توفير الأدوية وعلاجات أمراض البعوض في كثير من الأحيان".

تأثير صحي متفاوت

من جانبه يوضح الطبيب المختص بالأمراض الجلدية وهيب شحادة، أن الحساسية الجلدية هي إحدى أبرز المشاكل الصحية التي يُمكن للبعوض أن يحدثها بفعل السموم التي تنقلها اللسعة.

ويشير إلى أن تأثر الإنسان بالحساسية، يختلف من شخصٍ إلى آخر، "فبعضها تكون خفيفة لا يكاد يشعر المرء بأثرها، وبعضها الآخر ترافقها أعراض شديدة قد تحتاج إلى إسعافات أولية، وتدخل طارئ، بحقن وريدية أو عضلية للتخلص من الحساسية".

ويُفسّر شحادة التفاوت في درجة التأثر بسلعات البعوض، إلى اختلاف الحالة المناعية بين جسمٍ وآخر، منبهًا إلى أن الأطفال وكبار السن، هم الأكثر تألمًا، خاصةً إذا تعرضوا للسعات كثيرة ومتوالية.

ويقول: "الحكة الشديدة مكان اللسعات، تؤدي إلى ظهور التهاباتٍ بكتيرية نتيجة خدش الجلد، وهذه الخدوش، قد تؤدي إلى ظهور دمامل تمثل مصدرًا للعدوى، عن طريق لمس الأدوات الشخصية للمصاب".

ويضيف: "بعض اللسعات قد تتسبب في إحداث انسداد بالمجرى التنفسي، وتجعل المصاب بحاجة إلى رعاية طبية خاصة في المستشفى.

ويلفت شحادة إلى أن بعض الحساسية التي تظهر على الجسم صيفًا، لا سيما في بطن وظهر الأطفال، وتُشبه إلى حد كبير حساسية لسعات البعوض، "تكون ناتجة عن حشرات صغيرة جدًا تنتشر صيفًا، ولا تُرى بالعين، كالفاش، والبراغيث، وكثيرًا ما تنتقل إليهم أثناء تواجد في الحدائق، والمنتزهات، خلال فصل الصيف".

كاريكاتـــــير