شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 18 سبتمبر 2021م20:34 بتوقيت القدس

محمد التميمي..  رحَلَ "شهيد العيد" حبيب أمِّه

26 يوليو 2021 - 10:43

رام الله - نوى:

"هذا عرسٌ أم جنازة؟!" تسأل نفسها، وتنظر إلى "المُواسيات" حولها: "من هؤلاء؟ ولماذا هنّ هنا؟".. كأنها في دوامةٍ بعرض البحر! "كابوسٌ" تتمنى لو ينتهي، فتصحو لتجد "محمدًا" يقف عند الباب ويبتسم.

أم الشهيد محمد التميمي، من قرية النبي صالح شمال غربي رام الله، ترفض التسليم حتى اللحظة بأن "محمدًا" قُتل برصاص الاحتلال فعلًا. تركن الروح إلى ذكريات الأمس حيث "ضحكات المحمد"، ثم تصحو أمام صفعات الحقيقة: محمد لن يعود ليقول لي صباح الخير يمّه.

استشهد محمد (18 عامًا)، السبت 24 تموز/ يوليو الجاري، متأثرًا بإصابته في محيط منزل ذويه، مساء الجمعة، بعد اقتحام قوات الاحتلال "النبي صالح"، واندلاع مواجهاتٍ بينها وبين المواطنين هناك.. غادرَ تاركًا أمه تبكي "العيد".. "العيد محمد".

وقع محمد مضرجًا بدمه أمام الباب. بحسب أمه: لقد فتح الباب محاولًا طرد الجنود الذين بدأوا بإلقاء قنابل الغاز تحت شبابيك البيت،  فله شقيق (13 عامًا) "بعينٍ واحدة" تهيج بسبب الدخان.

تصمت الأم المكلومة، ثم تتمتم بصوتٍ يخنقه الدمع: لم يتمكن من حماية أخيه، ولا حماية نفسه أمام الجنود.

وفي التفاصيل "لما اجا يطرد الجنود، من أمام البيت، أطلقوا النار عليه، ما مر ثواني على فتحه للباب حتى أطلقوا الرصاص" تقول أمه.

محمّد الذي هيّأ نفسه لمرافقة خالته إلى منزلها، "كان قبل أن يستشهد بثوانٍ يستقبل مديح عائلته بملابس العيد التي كان يرتديها"، تقول أمه: "قلنا له: هذه أحلى لبسة بتجيبها يا محمد، وأنا قلتله: يا الله ما أحلاك يما"، هنا تصمت ثم تنخرط في دوامة بكاءٍ لا حدود لها، وتتمتم: "حبيبي شهيد العيد".

كان شابًا مطيعًا –تشهد أمه- "شابًا قرر تحمل مسؤولية إعالة أسرته بمساعدة والده مبكرًا"، تضيف أمه: "كان هذا أول عيدٍ يشتري فيه الملابس من عرق جبينه". لم يهنأ بها، ولم تهنأ أمه.. لقد استشهد بملابس العيد، ودُفن معها أيضًا.

"ذعر" قالتها أم الشهيد في وصف حياتهم –في قرية النبي صالح- تحت الاحتلال، "بل هي حياة كل الفلسطينيين، كلنا مهددون بالاستشهاد في أية لحظة، كلنا لا تنتظرنا الحياة، فالموت إلينا دائمًا أسرع"، تقول لـ "نوى"، وهي تستذكر وفاة ابنها الأكبر "فجأة"، ليلحق به في آخر أيام "الأضحى" محمد شهيدًا، ناهيك عن ابنٍ مريضٍ بما ليس له شفاء.

تزيد: "كان محمدًا سندي وعوضي، كنتُ أشد به أزري.. الاحتلال كسر ظهري بقتله، قطعوا بيني وبين ابن قلبي محمد البار".

لا يشعر أحد بغصّة الأم الحقيقية، عندما تداهمها ذكريات "عُمْر" قضته يدًا تُربي وترعى.. أول شربة ماء، وأول لقمة.. لحظة الحبو الأولى، وأول خطوة، كيف سندته يوم قام على قدميه، وكيف غدا شابًا "سندًا" ورحمة، "بلحظة وحدة قتلوه، أخذوه من قدام عيني، حرقوا قلبي وتسلّوا على دمه بأسلحتهم" تكمل.

18 عامًا من عمرها وعمره، زيّن خلالها محمد الدار. الابن المحبُّ السند، الذي لطالما حلم والده برؤيته رجلًا يتكئ على كتفه عندما يحتاجه. تردف أمه: "لكن ما لم يتخيله أبدًا، بأن يحمله هو على كتفه شهيدًا بالكفن".

"راح الزين"، لم يعد محمّد هنا، ذلك الفتى بأطباع الرجال، لن يعود فيحلم بشراء سيارة يأخذ أمه بها "لفة" ليروّح عن قلبها ملل الحياة وهمّها. "راح بطلقة واحدة" من جنديٍ استهزأ بحياته، "وحياتنا التي قضيناها في تربيته" تختم بغصّة.

كاريكاتـــــير