شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 23 سبتمبر 2021م03:31 بتوقيت القدس

غزة.. حيث ليالي "المباريات" تمحو هموم النهار والحصار

17 يوليو 2021 - 17:55

شبكة نوى | قطاع غزة:

مختلفةٌ تمامًا عن ما قد تبدو عليه في نهار "الغُلب" هنا! تظهر ملامح شباب قطاع غزة في "الكافيهات" و"استراحات البحر" فتيّة أمام شاشات العرض الكبيرة حيث لمشاهدة المباريات على صوت هدير الموج وقعٌ مختلف. 

يصطفون على كراسٍ بلاستيكية، يحدّقون النظر في الشاشة، ويتابعون حركات اللاعبين، يطربون لصوت الحكم يصدحُ بـ "جووول"، ويضطربون عند خطأٍ صغير قد يرتكبه لاعبهم المفضل عن دون قصد. "هنا حصة لا بأس بها من الكهرباء، وخدمة إنترنت جيدة. وهل نحتاج أكثر من ذلك؟" يسأل طارق رفاقه بسخرية.

طارق عباس، هو شاب في الـ ٣٠ من عمره، يعمل في صيانة الأجهزة الإلكترونية "على الطلب" يقول. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الشاب في الحقيقة متعطلٌ عن العمل باستثناء أيامٍ يهاتفه فيها بعض المعارف لطلب مساعدته في الصيانة، مقابل مبلغ ما "غالبًا زهيد".

يخبرنا أنه لا يتردد بالحضور إلى الأماكن العامة لمشاهدة المباريات، فهو لا أصدقاء مقربين منه، معظمهم تركوا البلاد وهاجروا في محاولةٍ للبحث عن "الحياة" في الخارج. "آتي وحدي، لكنني تعرفت إلى الكثيرين هنا، غزة كلها شبرين.. فجأة بنكتشف أن بيننا صلة معرفة أو قرابة" يضيف.

ويتابع: "نلتقي في المناسبات، في رمضان على سبيل المثال، أو لحضور مباراة عبر شاشة العرض، وحتى في بعض أيام التصعيد على غزة، لقد خُلقت بيننا وبين المكان أُلفة عجيبة".

المتابع لحال القطاع يعرف مسبقًا أن سكانه لا يجلسون في البيت، بقدر ما يهربون إلى البحر أو الكورنيش، نجاةً من الحر وانقطاع التيار الكهربائي.

يكمل الشاب: "هموم الناس واحدة، كلهم يتحدثون في نفس الدائرة، لذلك عندما يتجمعون في مكانٍ عام ويتبادلون الأحاديث، يجدون المحيطين بهم يشاركونهم قصصهم تلقائيًا، يندمجون ثم يتذكرون أنهم.. غرباء صاروا أصدقاء في البؤس"، وفق وصفه.

تمامًا كما هو الحال عندما تدخّل إسماعيل محمد، الذي كان يجلس في كرسيٍ قريب، فقال: "نأتي إلى هنا من الزهق، من قلة الأماكن، وقلة السفر، وقلة المال كذلك".

ويرى "سُمعة" حسب اسم الشهرة، أن حضور المباريات بين الناس في مكانٍ عام، له أجواء حماسية وممتعة، "فهنا ليس لدينا الوقت للحديث بالمواضيع المعتادة، "الفقر، البطالة، الحصار، الحروب، والتصعيد، والمعابر، والسفر، وقلة الفرص، هنا نتحدث عن الحياة، نتناسى همومنا كلها ونضحك".

يجتمع الشباب حتى منتصف الليل، يلتقون كغرباء، ويتعرفون على بعضهم في المباريات، يتبادلون السلامات، والهتافات، ويؤكدون أن المباراة والفرق اللاعبة هنا توحدهم مهما اختلفت أفكارهم وظروفهم وحتى انتماءاتهم السياسية.

ليس هذا فقط، يحدثنا أنه في بعض الأحيان، تقع شجارات بينهم مع مشجعي فرقٍ أخرى منافسة، إلا أنهم سرعان ما يعودون لتقبيل رؤوس بعضهم البعض، والاتفاق على لقاءات أخرى في مباريات أخرى، على أن تكون صدروهم أرحب لتقبل النتائج.

الأمر ذاته بالنسبة لندى شحادة، التي تنتظر موسم المباريات لحضوره مع عائلتها في مكانٍ عام، بعيدًا عن أجواء المنزل التي تضج بأزمات الحصار، وتبعاته.

لماذا هذه الأماكن؟ تسأل نفسها ثم تجيب: "لأن مقابل الجلوس فيها بسيط، تطل على البحر، وزبائنها سواسية في الطبقة والهموم، لا يتحرجون أمام بعضهم من قدرتهم أو عدم قدرتهم على دفع مستحقات الجلسة، بل هنا، للناس الحرية إما أن يدفعوا ثمن ما يطلبونه من المكان، أو أن يجلبوا طلباتهم من البيت، ويدفعوا فقط مقابل حجز الطاولة".

تتفق ندى مع سابقَيها، بأن أجواء الأماكن هذه حماسية، وربما تشعرهم أحيانًا بأنهم ليسوا في غزة! فجأةً يضحك الناس، ويشجعون فرقهم، ثم يهتفون بصوتٍ عالٍ أو يصرخون. "أتحدث عن أبسط الحقوق التي ينتزعها منا العمر هنا، بينما العالم لا يعرف غزّة، إلا بصرخاتها في الحروب والعدوان، والقتل، وسيل الدماء، هذه الصورة النمطية وهذا البؤس الذي يعرفونه عن وجه غزة –تختم-.

ومن الجدير ذكره، أن عدد العاطلين عن العمل في القطاع، يبلغ نحو 232 ألفًا، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بينما تشير بيانات غير رسمية، أن عددهم يفوق 300 ألفًا، مع إضافة فئات أخرى من العاطلين عن العمل، غير مدرجين في مؤشر البطالة.

كذلك، يعاني نصف سكان غزة من الفقر، بحسب إحصائية للمرصد "الأورومتوسطي" لحقوق الإنسان، أصدرها أواخر يناير/كانون الثاني 2020.